|
مَقالةٌ في التَقَمُّص
في ضَوء التَعاليم الثِيوصُوفيَّة لابد لكل إنسان، في وقت ما من حياته، أن يطرح أسئلة جوهرية من نوع : من أنا ؟ من أين أتيت ؟ إلى أين أذهب ؟ وقد يتفق له أحياناً، إذا اشتد عليه الألم، أن يسأل : هل حياة الإنسان وسائر الكائنات مسيَّرة بالمصادفة العمياء ؟ أم أن العدل هو الذي يحكم العالم ؟ هل الله موجود ؟ ما الموت ؟ وما الحكمة منه ؟
لقد حاول الفكر البشري، منذ القديم، أن يقدم إجابات على تلك الأسئلة الكبرى التي تميِّز الظاهرة الإنسانية عن غيرها من ظاهرات الطبيعة، فكان الدين بعقائده وطقوسه وأساطيره، وكانت الفلسفة بمنطقها وطبيعياتها وإلهياتها وأخلاقها، وكان العلم أيضاً بفرضياته ونظرياته وتجاربه. لكن عدد البشر الذين لم يقنعوا تماماً بالإجابات التي جاء بها الدين والفلسفة والعلم جميعاً ليس بقليل. فلئن أسكتت هذه الإجابات جوع الفكر إلى حين قد يحدث ألاتروي البتة ظمأ القلب إلى يقين يطمئن إليه، مما يدفع بالإنسان الباحث إلى التفتيش عن سبل أخرى أكثر إشباعاً للفكر المخلص وأكثر رياً للقلب التواق. فلهؤلاء القلة من بني البشر تتوجّه الثيوصوفيا بعقائدها في الإلهيات metaphysics والكونيات cosmology وعلم النفس الروحاني spiritual psychology وبمنهاجها الباطني الذي يعتمد القياس analogy أساساً. فما هي الثيوصوفيا ؟ وما هي عقائدها الأساسية ؟
الثيوصوفيا هي ذلك الجسد الحيّ من العقائد المغرقة في القدم الذي وصلنا بالنقل والخبرة بواسطة الوجه الباطن هي
ذلك الجسد الحيّ من العقائد المغرقة في القدم الذي وصلنا بالنقل والخبرة
بواسطة الوجه الباطن esotericism من الأديان والفلسفات القديمة، ويعود
بإسناده إلى الخبرات الروحية الكبرى التي حققها الجنس البشري عبر مسيرته
الطويلة في بحثه عن الحقيقة والتي تجسّدت في حكماء كبار من كل الشعوب
والأزمنة. عُرف هذا التراث الإنساني المشترك بأسماء عديدة مختلفة باختلاف
الشعوب والثقافات التي ائتُمِنت عليه على كرّ العصور. وقد أطلقت عليه
السيدة بلافاتسكي، التي كُتب لها أن تنهض بإحيائه في الربع الأخير من
القرن التاسع عشر، اسم دين الحكمة the Wisdom-Religion أيضاً، بالإضافة إلى اسم ‘‘ثيوصوفيا’’ Theosophia
الذي يعني باليونانية ‘‘الحكمة الإلهية’’. ففي كل دين أو فلسفة أو علم
قديم نقع على متوازيات إنْ في العقيدة (الإلهيات والكوسمولوجيا ونشأة
الكون والإنسان والرموز) أو في الميثولوجيا (الأساطير) أو في الخبرات
الروحية الداخلية الرفيعة التي شهد لها أصحابها شهادات تكاد تتطابق. يجدر بنا، قبل أن نبيّن موقع التقمّص
reincarnation من التعاليم الثيوصوفية، أن نؤسّس لذلك بالأرضية العَقَدية
التي تشغل من جسم الثيوصوفيا برمّته موضع القلب المغذي، ونبدّد، في الوقت
نفسه، شيئاً من تضارب الآراء السائدة حول الموضوع وشطط أصحابها، بحيث
يستطيع قارئنا الإمساك بطرف خيط يجنّبه التيه في الآراء المتشعبة
والاجتهادات الشخصية التي لاتقوم على أساس من خبرة داخلية صحيحة، ويشق
بنفسه طريق الفهم خالصاً من الأقوال الخاطئة في التقمص التي تحدّ من كونية
المبدأ وشموليته الإنسانية وتعتبره امتيازاً لفئة دون فئة أو لأصحاب مذهب
دون غيرهم. عندما تنتهي النفس من استعراض حياتها بكل تفاصيلها تنبذ عنها
الجسم الجُرْمي ومعه ذلك الجزء من الجسم النجمي الذي كان حصة البدن إبان
الحياة وتقيم مع الذات العليا فيما تبقّى من الجسم
النجمي، أي الرغبات والخواطر والذكريات والأشواق، صالحها وطالحها. عندئذٍ
تباشَر فعلياً عملية ‘‘فرز الزؤان من القمح’’ وحرقه. تدعى عملية التطهُّر
هذه الموت الثاني ويتم فيها طرح كل المادة النجمية الموسومة
بالرذائل. فكما أن المرء يتوجّع إذا أكل طعاماً مسموماً ولايجد الراحة إلا
بطرح العنصر السام كذلك النفس تطرح ‘‘سموم’’ الهوى والكِبَر والغضب
والأنانية والشهوة والطمع. هكذا يُسمح للجزء الطالح من نفسنا النجمية أن يموت
: فكما يتفكك الجسم الجُرْميّ عندما نموت وتتبعثر ذراته وجزيئاته في
العناصر، كذلك هذا الجزء سرعان ما يتفكك فتحمله العناصر النجمية غير
المرئية التي تحيط بنا طوال الوقت وتمضي به. وهذه الذكريات لا‘‘تضيع’’
لأنها موسومة بسمتنا التي تفيد لدى استدعائها لتشكيل جسمنا عندما نُقبِل
على التقمص من جديد. هناك نحمل رصيد حسابنا غير المسدَّد مع الطبيعة ومع
غيرنا من الكائنات.
51. إن تواحُد النفس
إبان الحياة الأرضية مع رغبات العالم الجسماني (التي تبقى وقد تشتدّ إلى
حين) يتوقف على نضجها التطوري. لكن طرحها هو الذي يمكِّن النفس من إتمام
الشوط القادم من رحلتها. فبعد فترة التطهّر اللازمة في العالم الرغائبي (كامى لوكى kâma loka)،
أي بعد أن تخلع النفسُ البدنَ وحصته من الجسم النجمي، وتطرح الرغبات
والخواطر والمنازع الشريرة وحصتها من الجسم النجمي، تبقى بصحبة الذات العليا
ومعها المشاعر النبيلة والخواطر النقية والمنازع الخيّرة وذلك الجزء من
الجسم النجمي الذي هو قناتها للتعبير. كساؤها آنئذٍ يكون مشعاً ونقياً
يعبر عن أشواقها الروحية. تدخل النفس عندئذٍ العالم الذهني، ومقامها
الجديد هذا يدعى في الأدبيات الثيوصوفية ديفاخان Devachan -
‘‘أرض الآلهة’’ - لأن النفس وقد تحررت من حدود الحسّ وتجردت من الرغبات
والأهواء الممضّة واكتست ببهاء خواطرها ومشاعرها النقية تصير أشبه
بالآلهة. هناك تستغرق النفس استغراقاً عميقاً استحقّته لتتفكّر وتعتبر
بالـ‘‘خير’’ الذي فعلته إبان الحياة التي عاشتها لتوّها. إن مستوى الوعي الذي بلغته النفس على الأرض وطبيعة الحياة التي عاشتها هما اللذان يحددان مستوى الـديفاخان الذي تستطيع النفس فيه أن تباشر استخلاص زبدة خبراتها
؛ فالعناصر الأغلظ لطبيعتها الشخصية لايمكنها دخول العالم السماوي. جليّ
من كل ما تقدّم أننا نُعِدّ لهذه الخبرة السماوية من الآن و‘‘فردوسنا’’
بالتالي من صنعنا نحن : تلكم هي قدرة الفكر. هناك نلتقي في السكينة والفرح
أحبابنا الذين هم جزء من حياتنا. 52. بعد الشوط الأول من التأمل في الأشكال والصور التي صنعها المرء بخواطره ورغباته يأتي الشوط التالي من التأمل المجرّد من الصور حيث يبدأ الاستغراق في الأفكار المجردة الذي يتسنّم ذروته في الاستغراق الخالص في الذات العليا، ‘‘الملكوت في الداخل’’، على حد التعبير الإنجيلي. هناك تعاين النفس الذات ‘‘وجهاً
لوجه’’ وتشاهد الأعمار الماضية التي مرت بها. هذا التأمل الرفيع لايدوم
عند العاديين من الناس إلا ‘‘هنيهات’’. وفي ذلك الاستغراق تتنبأ النفس في
رؤيا بما هي قادرة على القيام به في تجسدها المقبل على الأرض، وهي في
تملّيها هذه الرؤيا المستقبلية تثوب إلى نفسها وتتجدد أشواقها إلى تحقيق
تطلعات جديدة، فتستعد للعود إلى الأرض في جسم جديد لتواصل مهمّاتها
التطورية. 53. ما ‘‘الأشباح’’ ghosts إلا
‘‘الأصداف’’ shells الفارغة أو الأجسام النجمية الحية، لكن غير المرئية،
للذين ماتوا بعد أن عاشوا حياة أنانية. ففي أثناء ‘‘النوم’’ الذي يلي موت
الجسم الجرمي، إبان عملية استعراض الحياة الأخيرة المعيشة، إذا رجحت كفة
‘‘الطلاح’’ فإن الصورة النجمية تظل بعض الوقت في العالم
النجمي الذي يشكل أساس العالم الجسماني ويتخلّله. هذه الصورة مصنوعة من
القوة والطاقة، وقوامها، والحالة هذه، تلك القوى الأنانية والمؤذية
للآخرين. لهذه الصور تماسك نسبي لبعض الوقت - أسابيع، أشهر، بضع سنوات ؛
وهي تظهر لماماً لبعض الحسّاسين، فتكون مؤذية أو غير مؤذية تبعاً لطبيعة
الشخص الحساس. وتجتذب جلسات محضِّري ‘‘الأرواح’’ وهواة التخاطب مع
‘‘الراحلين الأعزاء’’ هذه ‘‘الأصداف’’ القادرة على قراءة ما يدور في أذهان
ومشاعر حضور الجلسة وعلى ‘‘تبليغ’’ ما استطاعت تلقّفه وجمعه من ذاكرات
الجالسين بطريقة أو بأخرى. أما الروح الحقة للراحل
فقد سبق أن دخلت حالة التفكّر العميق وهناك ليس بوسع أيٍّ كان أن يقلق
راحتها أو ‘‘يحضّرها’’ من حيث إنها تكون منشغلة بأمور روحية محضة
وبتقدّمها وهي تستوعب في خبرتها وطباعها الخير الذي فعلت والمواهب التي
اكتسبت ونمّت في الحياة الأخيرة المعيشة.54. في السنوات
الأخيرة جمع باحثون طبيون شهادات مئات الأشخاص ممن اختبروا حالات ‘‘موت
سريري’’ ونشروها. من أشهر هؤلاء الدكتور رايمند مودي والدكتورة إليزابث
كوبلر-روس. إن خبرات هؤلاء الناس الذين أُنعِشوا بعد اختفاء العلامات
الحيوية وعاشوا ورَوَوا ما حصل لهم عندما كانوا ‘‘أمواتاً’’ تنطبق على ما
جاء في أدبيات الثيوصوفيا. الخبرة الأولى لغالبية هؤلاء هي عبور ‘‘نفق’’
مظلم قبل أن يعيد الوعي تصويب نظره فيستوعوا أنفسهم في جسم لطيف يشاهدون
منه مشاهدة معزولة بدنهم على طاولة العمليات والفريق الطبي يقوم بإنعاشه
أو في حطام السيارة وفريق الإنقاذ يسعفه.كما وجد العديد منهم نفسه في عالم
من النور والحرية قابلوا فيه ‘‘كائناً نورانياً’’ هو تجسيد للمحبة الكاملة
والتفهّم التام. وكثيراً ما اختبروا استرجاعاً أو استعراضاً حياً لدرجة
مذهلة لحياتهم وجاءهم الأمر بالعودة لإتمام ما لم يُتِمّوا في هذا التجسد.
ولقد تردد العديد منهم في ذلك وشهدوا جميعاً أن الخبرة قلبت حياتهم رأساً
على عقب، فزال خوفهم من الموت وفهموا أن مهمتهم محبة الآخرين ومواصلة
التعلّم حتى نهاية الحياة. 55. توصي تعاليم الحكمة القديمة بضرورة مساعدة المحتضر
بتيسير انتقال النفس المغادِرة للجسم في جو هادئ مطَمْئِن. فليتصور المرء
شعوره وهو ينسلّ من جسم حطّمه المرض ليجد نفسه طليقاً - على حيرته في
البداية - لايعي أن عالم الوعي الذي دخله لتوّه ليس العالم الجسماني الذي
تعوّد عليه طويلاً. فكما جاء في كتاب الموتى التيبتي يزداد هذا التكيّف صعوبة كلما أطال الذين ‘‘أحبوا’’ الشخص الميت غمّهم وحدادهم. 56. إن
استيعاء حقيقة التقمص ينبغي أن يكون إلهاماً لنا، لأننا بتنا نعلم من
خلاله أن الإنسان العظيم بإنسانيته يفصح في شخصه ومنجزاته عما ننطوي عليه
من ممكنات وعما نستطيع أن نصيره بالجهد المخلص المثابر. وقود المستقبل،
وفقاً لقانون العلة والمعلول، هو الزخم المتراكم للماضي. والذات الروحية أو الأنية العليا، في انتقالها عبر شخصيات أرضية، تدخر زاداً من الطبع الفردي يبقى خيطاً دائماً
يضم كل الأعمار المنفصلة. هناك شعور لايوصف بالرضى العميق يرافق استيعاء
أن الحياة الحالية ما هي إلا واحدة في سلسلة هائلة من الدورات تنتهي
بالغاية المجيدة. إن العبرة الكبرى من التقمص هي أننا ننطوي على قدرات لانهائية، وفرص أبدية، وغاية إلهية. الثيوصوفيا تعلِّمنا أننا شرارات من لهب واحد،
صَدَرنا عن المنبع الأصلي للوجود، ولابد أن ‘‘نعود’’ إليه يوماً، أو
بالحري أن نعي بأننا لم نغادره أصلاً ! "ملكوت السماوات في داخلكم" -
قالها عيسى بن مريم. لكننا لسنا على وعي بطبيعتنا الإلهية. بيد أننا، إذ
ننظر إلى الحياة من منظور فرص النمو الروحي، من مطَّلع الأنية الخالدة،
نمتلئ بالعزم على الشروع في السير على طريق الروح. مامن غاية أسمى من هذه،
لكننا لابد بالغونها يوماً بالجهد الدؤوب - مع أن حيوات عديدة ضرورية
للظفر بها. ليس في الحياة من فشل ذريع سوى نقص الشجاعة للمحاولة من جديد.
الفرص تعود وتعود، حياة بعد حياة، لكننا نحن الذين نفضّل التلكّؤ. رسوخ مبدأ التقمص في الوعي اعتراف بالعقل والوجدان بـوحدة الإنسانية بصرف
النظر عن العرق أو الجنس أو المعتقد أو المنزلة الاجتماعية. ذلك أن النفس
ينبغي لها أن تمر في رحلتها التطورية بالعروق البشرية جميعاً، وتتقمص على
التوالي أجساماً مذكرة وأخرى مؤنثة، وتختبر كافة المعتقدات والأفكار
والمعارف، وتعيش في بيئات متنوعة من حيث الضيق والبحبوحة. بذلك تنحلّ عقدة
‘‘الشعب المختار’’ أو ‘‘خير أمة’’، وتتساوى الشعوب والأمم جميعاً في
الأسرة الإنسانية الواحدة لأن لكل منها دوره الفريد في إغناء التجربة
الإنسانية الشاملة وتفتّح الوعي عن ممكناته والارتقاء بالإنسان من ناسوته
(شخصيته) إلى لاهوته (فرديته)، من الإله في الإنسان إلى الإنسان في الله. التقمص هو إيقاع الوجود
نفسه. كل لحظة تموت كيما تولد لحظة جديدة. الحياة في وعي قانون الإيقاع
الدوري الكوني هي الحرية من الخوف والشك، والاستيقان أن في جعبة المستقبل
ممكنات لانهائية إذا حققنا المتاح من ممكنات الحاضر كما ينبغي لنا أن
نفعل. التقمص تأكيد على أن للحياة معنى وقصداً، وأن لكل شيء، مهما بدا تافهاً، مغزى وقيمة دائمين. التقمص هو العاتق العظيم، المحرِّر من سجن الشخصية المؤقتة، والمطلِق في رحاب تحقيق غاياتنا الأبدية. الحياة هي مغامرة التطور، هي الرواية ذات النهاية المفتوحة على ممكنات لاحصر لها. وما الولادات والميتات إلا شاخصات على الطريق. كل آنة زمن فهي موت وولادة جديدة، إلى أن يحين الموت الأخير وانعتاق الروح وانطلاقها إلى بارئها. كل آنة زمن فهي باب مفتوح على الأبدية... |