|
بسم الله الرحمن الرحيم مهب رياح الأزمة المالية العالمية يعيش العالم اليوم أزمة مالية خانقة، استحوذت على اهتمام الاقتصاديين والماليين في أكبر دول العالم الرأسمالي.. "بوش" المتكلس الشعور، الذي غزا العراق، رغم أنف العالم أجمع.. "بوش" الصلف، الذي قلب أرض الوطن الأفغاني على رؤوس مواطنيه الأشراف.. "بوش" الناري، الذي أشعل في كل جانب من جوانب الأرض مشعلا، لا بقصد الإنارة، بل بقصد إشعال البترول وأكداس القش الخالي من حبيبات القمح، في هذه السنين العجاف.. يظهر "بوش" الآن مترنحا من هول أزمة، تتوعد النظام الرأسمالي والعالم أجمع بالويل والثبور، فيقف على أبواب الكونغرس مستعطيا المال، لتنفيذ برنامجه الإصلاحي، والقيام بعملية إسعافية مستعجلة، لضخ المال في عروق الاقتصاد الأمريكي، الذي يعاني من جفاف تام. وإذا كان مسار كل حي نحو الموت، وكل موجود نحو الفناء، وبعد أن أوكل الله تعالى بهذه المهمة في الديانات التوحيدية الثلاث إلى عزرائيل، فلا بأس أن نتساءل قائلين: كيف يخطف عزرائيل أرواح الدول الرأسمالية الكبيرة المتعالية مثل أمريكا!!؟ والجواب: أنه يدخل من عملتها النقدية إلى هيكلها المالي، وفيه تكمن روحها، فيصدعه.. الرأسمالية والاشتراكية نظامان اقتصاديان عالميان، كل منهما اعتمد أساليب وقوانين تختلف عن الأخرى. وبعد أن قضى رأس النظام الاشتراكي نحبه عمليا، بيد من سخره العم سام لهذه الغاية؛ المندسّ "غورباتشيف"، الذي ثبّت رأس الدب الروسي على سكة حديد القطار الأمريكي السريع، فقطعه، لم يبق في الساحة العالمية سوى النظام الرأسمالي. وبعملية ارتداد ميكانيكية غبية، تراجعت دون تفكير جميع أو معظم الدول الصغيرة، التي انتهجت النهج الاشتراكي، واعتمدت ما يسمى سياسة التحويل الاشتراكي، فعادت أدراجها إلى الاقتصاد الرأسمالي، وطبقت سياساته، كأن شيئا لم يكن! فما هو النظام الرأسمالي، وما هي أهم مقوماته؟ كانت أوربا محكومة بنظام الامبراطورية الرومانية، على صورة النظام الإقطاعي، ونشأت ما بين القرنين الرابع عشر والسادس عشر طبقة بورجوازية؛ أي طبقة متوسطة، ساهمت بالتقديم لظهور بوادر مرحلة جديدة، هي مرحلة الرأسمالية. حدث ذلك في بداية القرن السادس عشر، بظهور المذهب الطبيعي، وأتباعه الذين سموا بالطبيعيين، وعلى رأسهم الفرنسي "فرانسوا كينزلي" (1694-1778م). وفي سنة 1756م وضع "كينزلي" ما سمي "بالجدول الاقتصادي"، شبه فيه تداول المال داخل الجماعة بالدورة الدموية، وقد وصفه "ميرابو" آنذاك بأنه أحد ثلاثة اختراعات عظيمة في العالم، هي: الكتابة، والنقود، والجدول الاقتصادي. وما لبث المذهب الرأسمالي الكلاسيكي أن نشأ على يد عدد من المفكرين، وعلى رأسهم الفيلسوف "آدم سميث"، المعجب كل الإعجاب بمؤسس نظرية النفعية (البراجماتية)، "ديفيد هيوم"، الذي أصبح فيما بعد صديقه الحميم. وهكذا؛ يعود الفضل في إرساء أهم مبادئ الليبرالية الاقتصادية، إلى الفيلسوف والباحث الاقتصادي السكوتلندي "آدم سميث" (1723- 1790م). والليبرالية؛ كلمة لاتينية الأصل، تعني الحرية. وقد بنى "سميث" نظريته في التنمية الاقتصادية بكتابه؛ " ثروة الأمم"، الذي أصدره عام 1776م، وقال عنه أحد النقاد؛ إنه أعظم مؤلف خطه قلم إنسان. وفيه شدد "سميث" على التبادل الاقتصادي الحر بين الدول، دون أي تدخل من الدولة، وعبر عنه بالمبدإ الاقتصادي المعروف: "دعه يعمل، دعه يمر". أسس "سميث" نظريته هذه معتمدا على مبادئ أهمها: ترك العمل للقانون الطبيعي، الذي يدفع كل فرد باتجاه تضخيم ثروته، بما يعني أنه ضد تدخل الدولة في الصناعة أو التجارة. ثم تأتي بعده مبادئ: تقسيم العمل، وتراكم رأس المال، بتدعيم القدرة لدى الأفراد على الادخار والاستثمار، وتوفير الشروط الملائمة للمستثمرين الرأسماليين، بتكريس مبدأي؛ حرية التجارة والعمل، والمنافسة.. ثم خرجت إلى الضوء نظريات اقتصادية كثيرة، بعد أو مع نظرية "سميث"، وحافظت على نفس التوجه، واندرجت جميعها تحت عنوان الاقتصاد الرأسمالي الكلاسيكي. وأهم هذه النظريات؛ نظرية "ميل"، الذي أعطى للدولة نوعا من الحرية الضئيلة، في تدخلها لإعادة توزيع ملكية وسائل الانتاج؛ و"شومبيتر"، و"اللورد كينز"، الذي يعود له الفضل في تحقيق التشغيل الكامل للقوة العاملة في المجتمع الرأسمالي، و"روستو".. وجميعها -كما قلنا- نظريات إقتصادية كلاسيكية، وأتباعها من الاقتصاديين الكلاسيكيين. والنظريات الكلاسيكية التي ركزت بشكل خاص على الحرية الاقتصادية، والحرية الفردية، وحرية السوق والمنافسة، دون أي تدخل حكومي، هي جزء من نظام رأسمالي، يقوم على أربعة أركان هامة: -البحث عن الربح، إلا ماينجم عنه ضرر عام. -تقديس الملكية الفردية. -المنافسة الحرة في الأسواق. -حرية الأسعار وفق متطلبات العرض والطلب. كانت انجلترا من أكثر البلاد الرأسمالية تقدما حتى سنة 1875م، ثم ظهرت بموازاتها كل من ألمانيا وأمريكا، في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ثم وقفت إلى جانبهم اليابان بعد الحرب العالمية الثانية 1945م. وفي عام 1929م اجتاحت العالم موجة من الكساد، كأسوأ كارثة اقتصادية عالمية عرفها التاريخ، دامت على مدى عشر سنوات، وضمنت أطول فترة من البطالة والفقر، مرّ بها المجتمع البشري. وكالعادة، ومن "وول ستريت" ظهر الهلال المالي محمرا مخيفا.. 40% من قيمة الأسهم هبطت، ومعها هبطت أحلام أصحابها إلى الحضيض.. البنوك والمصانع والمتاجر أغلقت أبوابها، وقامت إداراتها بتسريح العاملين فيها، فازداد جيش المشردين والعاطلين عن العمل، واستطالت كأسطورة مملة طوابير الواقفين أمام الجمعيات والمنظمات الخيرية، للحصول على رغيف الخبز. والغريب في الأمر، أن ارتفاعا متواصلا في البورصات العالمية سبق موجة الكساد!! فقد استمر هذا الارتفاع متصاعدا منذ عام 1925م، حتى عام 1929م! وبحلول يوم الثلاثاء الأسود، كما اصطلح على تسمية، وهو يوم 24 تشرين الأول عام 1929م، بدأ الانخفاض الحاد في أسواق الأسهم المالية الأمريكية. وفجأة انتخمت أسواق البورصة بستة عشر مليونا ونصف من الأسهم، لم تجد من يشتريها! وغصت أسواق العمل الأمريكية بثلاثين مليون عاطل عن العمل، وطرد الكثير من الناس من بيوتهم، نتيجة لعدم قدرتهم على تسديد الأقساط المصرفية لمساكنهم!! ويبدو أن الكوارث تقدم إلينا دائما من الغرب الأمريكي، لكن بلوى الكساد سرعان ما عمت جميع أنحاء العالم ابتداء بأوربا، وعلى الفور انهارت التجارة العالمية إلى النصف تقريبا. بدأت فترة الكساد العالمي، بعد ثمانية أشهر فقط من دخول الرئيس الأمريكي الجمهوري "روبرت هوبر" البيت الأبيض! وها هي تتتمخض الآن، قبل حوالي ثمانية أشهر من خروج الرئيس الأمريكي الجمهوري "بوش" من البيت الأبيض!! بعد انتهاء ولاية الرئيس "هوبر"، كان لا بد لمرشح الرئاسة المنافس الديمقراطي، "فرانكلين روزفلت"، من استغلال كارثة الكساد في الانتخابات الرئاسية، وتحميلها للجمهوريين. ومن ثم أعلن بعد نجاحه في عام 1933م، عن برنامج اقتصادي جديد (The new deal)، هو عبارة عن برنامج إصلاحي، تخلى بموجبه عن المبادئ الاقتصادية الكلاسيكية، التي وضعها "آدم سميث"، بأن أعطى الدولة حق التدخل لحماية الاقتصاد الوطني. وقد شكلت تلك المبادرة أول نقطة تحول مفصلية في المسار الرأسمالي، انتهت إلى تطبيق نظرية "كينز"، التي سمحت للحكومة بالتدخل في النشاط الاقتصادي بشكل محدود. من المعروف أن أمريكا لم تدخل أرضها حرب من الحربين العالميتين، لذلك تابع اقتصادها بالنمو، وانتشرت دولاراتها في أصقاع الدنيا. وفي سنة 1943م خفضت أمريكا عملتها الدولار بنسبة 40%، بعملية قرصنة مالية، سرقت بموجبها ثلث مدخرات الناس والشركات في العالم أجمع. وحتى لا يتكرر الأمر مرة أخرى، جرى فرض تقييد آخر على الاقتصاد الرأسمالي الحر، وتم تأسيس صندوق النقد الدولي في واشنطن، بموجب معاهدة دولية عقب الحرب الثانية في عام 1945م. قيدت معاهدة إنشاء صندوق النقد الدولي جميع العملات الورقية، بما فيها الدولار، بوجوب تغطيتها بالذهب، وإيداعه في الصندوق، كي يستمر استقرار التعامل المالي في العالم. وبعد إنشاء الصندوق الدولي حددت أمريكا تغطية عملتها، بما يعادل 35 دولارا لكل أونصة ذهبية. لكن النظام الرأسمالي مر بتقييد آخر أيضا على يد الرئيس الأمريكي نيكسون، الذي أعلن تعويم الدولار في عام 1971م، ضاربا عرض الحائط بالاتفاقات العالمية، ومنها صندوق النقد الدولي. نخلص من كل ما سبق إلى أن نظاما كالنظام الرأسمالي الليبرالي الحالي، يسير دون ضوابط، بقصد عدم التعرض لحرية الفرد، هو أشبه بالبقرة الهندية، التي تسير حرة دون قياد، وقد ترك لها الحبل على الغارب. والواقع أن النظام الرأسمالي الحر، جرى تقييده بعد كل أزمة من الأزمات الخانفة، التي تسببت بها أمريكا، وحملت العالم أضخم الخسائر. وها هو النظام الرأسمالي المدلل مازال يسير حرا مدمرا، فيوقف العالم على شفير الهاوية، والعالم مازال يتمنى على البقرة المقدسة، ألا تدوس الصغار، وألا تنطح الكبار في مسيرتها القدسية! وحتى نتعرف على أسباب الأزمة المالية الحالية، لا بد لنا من توضيح طريقة عمل المصارف باختصار وبساطة. فالمعروف أن تمويل المصارف، يتم من مصدرين رئيسيين؛ داخلي يتمثل برأس المال، وخارجي يتمثل بالودائع على اختلاف أنواعها. وتعمل المصارف على اجتذاب ودائع العملاء بفوائد منخفضة، ثم تعمل على توظيفها عن طريق الاستثمار، أو إعادة إقراضها للعملاء المقترضين بفوائد مرتفعة. ويشكل هذا حوالي 90% من توظيفات المصارف للأموال المودعة لديها. أما عن أسباب الأزمة الحالية، وبما أني لست من المختصين، فلا بد لي من استقصائها عند أصحاب الاختصاص، الذين يجمع أكثرهم، على أنها ترجع بنسبة 93,1%، إلى عدم كفاءة الإدراة! أما النسبة الباقية فتمثل أسبابا أخرى مجتمعة؛ من إهمال وتزوير وكوارث. ويعود يرأيهم سوء الإدارة في معظمه، لمنح القروض دون ضمانات، أو بضمانات غير كافية، خاصة القروض العقارية. ولعل ما يمثل تأثير الأزمة المالية على الساحة العالمية، تعهد الدول الأربع الكبرى في الاتحاد الأوربي ببحث أسبابها، وإعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي. ويأتي انعقاد القمة الأوربية هذه، على أثر تنفيذ خطة الإنقاذ الأمريكية، التي قضت بضخ 700 مليار دولار، لسد احتياجات المصارف الأمريكية من السيولة النقدية، بعد انهيار سوق الإسكان، وازدياد القروض العقارية المتعثرة، نتيجة للكساد العقاري. قال "روجر كيري" في كتابه؛ "جنون الاقتصاد": إن المشكلة لا تكمن في كيف نطبق نظامنا الاقتصادي، بل نظامنا الاقتصادي بعينه هو المشكلة"!! وقال "جورج سوروس"، الرأسمالي الشهير: " قبل اقل من ستة شهور؛ أي قبل تشرين أول سنة 1997، عندما حدثت هزّات الأسواق الماضية، كان النظام المالي العالمي على شفير الهاوية ... وكان ذلك النظام لا يبعد سوى أيام قليلة عن الانهيار التام .. وإني أخشى أن تؤدي النتائج السياسية الناجمة عن الأزمات المالية الأخيرة إلى انهيار النظام الرأسمالي العالمي برمته .. " فهل نشهد اليوم تسمما غذائيا للنظام الرأسمالي، وحفلة إعدام للنظام العالمي الجديد؟! ربما نحن بصدد ذلك، لكننا سندفع مدخراتنا أو أكثرها على الأقل، ثمنا لبطاقة الدخول إلى حلبة تنفيذ الإعدام على النظام الرأسمالي! 22/10/2008 نبيه محمود السعدي |