|
أبو جميل المهندس الموظف الذي تعلّم هنا و أكمل دراسته في
بلاد الغرب، لم يكفّ يوماً عن التذمر من وضعه المادي الذي لم يكن يليق بوضعه
الأُسريّ. كنت أصادفه، بل يزورني كثيراً أثناء إجازاتي الصيفية في ربوع الوطن ، وقد
طلب مني ذات يوم إيجاد فرصة عمل له في بلاد الاغتراب.
عرفت عن أبي جميل الخلق الرفيع و نخوة أولاد البلد والروح المرحة و خفّة الظل. كان
أبو جميل حين ينفتح بالحديث عن مديره بالعمل لا يعرف كيف يتوقف عن إلقاء التهم
بالفساد و الرشوة و الثروة غير المشروعة ، كان أبو جميل يتحسّر كثيراً على الأموال
المهدورة و يلقي اللوم على المدير الفاسد كالعادة، لا و بل كان يستذكر ما شاهده و
عايشه في بلاد الغرب و يقارن بين مديره الحالي و نظائره في الغرب. عدت في إحدى المّرات ( إجازة صيفية ) ، و استقبلت الأهل و الأصحاب على مدار أيام و
كالعادة أيضاً، و الغريب أن أبا جميل تأخر فسألت عنه و جاء الجواب كالتالي: " كان
الله بعونه فقد غدت مسؤولياته كثيرة و بالكاد يجد وقتاً" عرفت بذكائي الخارق أنه قد
أصبح مديراً .
لم يأت أبو جميل للسلام علينا ، فقلت بخلدي من الواجب أن أذهب أنا و أبارك له
بالمنصب الجديد. و بالفعل فعلت هذا، بعد أن حدد لي موعداً على الهاتف للزيارة . قلت
له : الاّن أنت المدير فلا تدع الأخرين يقولون قولك عن المدير السابق.
لا أدري لماذا لم تعجبه جملتي الأخيرة..!!
مرت عدة إجازات و أبو جميل لم يزل مديراً. حدث ذات يوم أني طلبت منه خدمة إنسانية
بحتة فقد طلبت منه توظيف إحدى الأرامل التي فقدت زوجها الذي لم يترك لأسرته شيئاً
يعتاشون منه ، فتلا على مسامعي كل القوانين و القرارات التي تمنعه من الإقدام على
مثل هذه الفعلة – علماً بأني لم أطلب منه توظفيها برتبة مدير عام لا سمح الله- و
خلاصة الكلام رفض و لأني أعرف أبا جميل السابق جيداً وضعت له مبرراً.
هذه الإجازة و بشكل مفاجىء كانت زيارته لي كما في الأيام الأولى تماماً - يوم كان
مجرد مهندس موظف- سريعة فيها الكثير من الوقت و الود لا وبل الضحك و لكن بدون تذمر
هذه المرة. فتشت عن سبب التغيير فعلمت أن أبا جميل لم يعد مديراً و لا حتى موظفاً
لأن الحكومة قد أقالته بتهمة الفساد.
و السؤال : ترى ألا نظلم الحكومة أو الوزارة المعنية بأي شأن حين نلقي بكل اللوم و
العتب عليها و ننسى أننا نحن الهيكل الأساسي لتك الوزارة أو الدائرة ؟!!! و هل
سنبقى نقول بكل سلبية هذا هو الوضع ؟ أليس الفساد فيه قسم كبير بنفوسنا نحن؟
ترى لو طّبق أبو جميل نصف ما تفلسف به فقط أيام كان موظفاً عادياً، ألم يكن صاحب
الإنجاز الأكبر على مستوى دائرته؟
وأخيراً لكم أن تعلموا أن أخوة أبو جميل أصبحوا الأن موظفين و أخواته و أولادهم
أيضاً. هذا من باب " الأقربون أولّى بالمعروف " أما أقارب زوجته فكانوا أكثر حظاً
من أقاربه من حيث الفوز بالشواغر.
وبقيت تلك الأرملة المسكينة تنتظر من يُقدر حجم مأساتها الإنسانية التي تكبر مع كبر
أولادها. نسيت أن أخبركم بأني غاضب جداً مما فعله أبو جميل صديقي السابق بل لم يعد
صديقي.
ويا سادة الكرام عندي صديق أستلم منصباً حديثاً فهل أخاصمه منذ الأن؟ ؟ ؟
|