في زمن كان فيه المذياع النافذة الوحيدة التي توصلهم بالعالم آنذاك، ولهذا كان لحكايات الكبار وهم متحلقون حول مواقد الشتاء طعم ونكهة ونفاسة لمعرفة التاريخ ، تاريخ يسردونه ببلاغة وفطرة نادرة وهو يستمتع بروايات جده- أبو سلمان جديع- عن حرب السفر برلك التي شارك بها مرغماً إلى جانب العثمانيين . .
لاحقاً سجل عدنان عزام في كلية الحقوق بدمشق ، وبعدها سافر مباشرة إلى إمارة أبو ظبي حيث سرعان ما يقفل عائداً إلى دمشق ليبدأ حياة جديدة بين كلية الحقوق والقرية والسويداء وبعد انتهاء الامتحانات يقرر العودة من جديد إلى الإمارات ليعمل في عمق الصحراء في منطقة ميديسين أقصى جنوب البلاد.. في عام 1981 قرأت في الخليج الثقافي مقالاً بقلم ياسر السباعي، يلهب مشاعري عن علاقتنا بالغرب، ويحدث في نفسه أثراً كبيراً مثلما فعل ذلك بحياة المثقف العربي إدوارد سعيد وكتابه الاستشراق الذي سيشكل ركناً أساسياً من أركان معرفته بنفسه وبالآخر الغربي. هناك في صحراء المغرب بدأت حواراته مع قلة من الغربيين ممن يبذلون جهداً لتجاوز النمطية الأوروبية في نظرتهم إلى الحضارة العربية الإسلامية، بدأ أيضاً يكتشف معهم سحر الصحراء في الإمارات والسير على رمالها والتعرف على واحاتها، وما أثرها هناك من رأس الخيمة، شمالاً إلى ميديسين جنوباً مروراً بدبي وأصبح السؤال هاجسه الأول والأخير. كيف سنبدأ الهجوم المعاكس، ولا نترك مكاننا فارغاً ، كيف سنقدم أنفسنا إلى العالم كما نحن، هكذا كبر حلمه أن يرحل من دمشق عاصمة الخلافة الأولى إلى باريس إلى بلاد الغال على ظهر حصان عربي. ولاحقاً سيصل باريس جواً ويغادرها براً إلى سورية ليرى الطريق الذي سيقطعه على ظهر حصان في الأشهر اللاحقة. وخلال ثلاثين يوماً من السير على الأقدام أو الركوب بالحافلات التي تتوقف له طوعاً على الطريق لتكون بداية التجهيز الحقيقية للحملة الكبيرة، وأخيراً تبدأ الرحلة على ظهر فرسه «مطيرة» وبعد ظهر الأربعاء من 1982 يغادر قريته الصغيرة الغافية وسط العالم، متجهاً صوب دمشق..
خلال الطريق كان يردد أغاني فيروز ( خايف من الغربة.. أكبر بها الغربة وما تعرفني بلادي) في اليونان يعيش حالة حميمية بالغة مع أهلها حيث الترحاب الحقيقي.
حيث قال : (تصل قافلتي إلى البرج الأبيض المنتصب أمام البحر المتوسط، يسرح نظري عبر الشواطئ حيث قوارب الصيادين القديمة تنتشر مبعثرة هنا وهناك بطابعها الشعبي البديع. بواخر ذاهبة وأخرى آيبة إلى المرفأ الزاخر بالحياة، كان ذلك عند الغروب وكانت الشمس تضفي على المكان روعة عظيمة وأهالي تيسالونيك يتنزهون على شاطئ مدينتهم التي كانت وما زالت رمز عاصمة مقدونيا «الاسكندر الكبير» قافلتي المستمرة بجانب تمثال قسطنطين الأول تصبح محط الأنظار وعدسات الفضوليين..).
قبل أن يدخل فرنسا يترك خيله في شاحنة ويعود بالقطار إلى مدينة جنوا ليلتقي بالقنصل الفرنسي بيير دولابر حيث يستمع إليه ثم يحيه كفارس ويََضَع تأشيرة الدخول على جواز سفره: الشمس مشرقة وصهيل الأحصنة
( فرح ومطيرة ) يعلن ابتداء يوم جديد ويرحب بالخيالة الذين التموا حوله وراحوا ينهالون عليه بالأسئلة، بينهم خيّال جاوز الستين من عمره، حدثه عن أيام شبابه عندما كان ضابطاً في الجيش الفرنسي في لبنان وسورية ومعرفته بالأهالي هناك، سرج حصانه وسار معه بعض الوقت وهو يقول: سفراً موفقاً، إنك تحقق ما حلمت أن أقوم به، يتقدم بهدوء بمحاذاة الشاطئ، وفجأة يوقفه رجال الشرطة قائلين: قف أنت في إمارة موناكو.
وخلال عبوره لمدينة ( كان ) المشهورة كانوا يسألونه إذ كان يزور مدينة ( كان ) بمناسبة مهرجان السينما العالمي الذي كان يعقد في ذلك الصيف، وفي مرسيليا توقفه سيدة بكثير من المشاعر الدافئة تدعوه لاستراحة في منزلها على جانب الطريق وتنادي أولادها لجلب الماء والجزر للخيل وتحدثه عن ابنها الذي يسافر عبر العالم قائلة: إنني أتمنى أن يجد هو أيضاً المساعدة والحنان من كل الناس.
وفي صباح كانوني ينفث الصقيع والبرد وغيوم ضبابية اختلطت بدخان السيارات على امتداد جادة فوش من غابة بولونيا وصولاً إلى باريس.
يشعر عدنان عزام بشلال من الحيوية والأمل ينبض في داخله، وكذلك كان حال الأحصنة ( فرح ومطيرة ) كانتا تبدوان أيضاً على أتم الاستعداد.
آن كريستين وماري باسكال تسيران بجانبه بآلات تصوير عادية وسينمائية، كريستوف يشق الطريق أمامهم بدراجته النارية، يطل قوس النصر مرتفعاً شاهقاً كأنه يلاصق السماء وسط ساحة النجمة التي تتفرع منها أكبر جادات العالم في كل الاتجاهات.
وتستمر الرحلة عابراً الولايات المتحدة من غربها إلى شرقها، وعودته إلى وطنه الأم سورية عابراً المغرب العربي إلى مكة المكرمة والجزيرة العربية والأردن في كثير من المغامرات الشيقة التي كان من الممكن أن تودي بحياته ..........
من الجدير بذكره . ،
الرئيس الفرنسي "نيكولا ساركوزي" ، يمنح المواطن السوري "عدنان عزام"، رئيس "جمعية مسيرة القيم من أجل المساواة" وسام الاستحقاق الفرنسي من مرتبة "فارس".
"عدنان عزام" قد كرم بتقليده وسام الاستحقاق الفرنسي في احتفال خاص أقيم في صالة "كليمنصو" في مجلس الشيوخ الفرنسي (السينا) يوم الاثنين 16 شباط لعام 2009، وناب عن الرئيس الفرنسي في تقليد الوسام السفير "برنار باجولي" المنسق الوطني للمعلومات في قصر الرئاسة وقد حضر الاحتفال السيدة "لمياء شكور" سفيرة الجمهورية العربية السورية في "باريس" وعدد من أعضاء مجلس الشيوخ والبرلمان الفرنسيين وعدد من الشخصيات الفرنسية والعربية .
قال الرحالة العربي "عدنان عزام" عند تقليده وسام الاستحقاق الفرنسي إن أساتذته في وطنه الأم سورية مهد الحضارات، مهدوا له السبيل ليتشبع من الثقافة العربية التي جعلته أكثر قدرة على اكتشاف الثقافة والتاريخ الأوروبيين .
أخيراً حاز على تكريم وزارة الثقافة في باريس على توقيع كتابه
( الاستغراب ) معرفة الآخر معرفة الذات 1300 يوم حول العالم على ظهر حصان .
وهو متوفر حاليا في الأسواق العربية والسورية