تسجيل/دخول عضو

معرض الصور سجل الإهداءات المنتدى

 الصفحة الرئيسية



اعلانات متحركة




لحظة من فضلك
الطقس اليوم

مجتمع السويداء
كانون الأول 2017
  1
2
3
4
5
6
7
8
9
10
11
12
13
14
15
16
17
18
19
20
21
22
23
24
25
26
27
28
29
30
31
 
لايوجد حدث لهاذا اليوم
مرسال الأعضاء

تستطيع إرسال الرسائل الفورية إلى الأعضاء. تفضيل بالتسجيل من هنا. مرحبا بك.
ألبوم الزوار
مشاهدة: 1541 مرة/مرات
تصويت: 1 مرة/مرات
تقييم: 4
في عالم الألوان
الحبيب مجودي

أرسلت بواسطة:أبو مجد
بتاريخ: 09/05/2009

مميزون (33)  
مدينة دمشق (5)  
الأطفال (74)  
الثلج (8)  
السويداء (133)  
صلخد (3)  
شهبا (15)  
صور من بلدي (161)  
صور قديمة (15)  
عرمان (9)  
غرائب الصور (24)  
ظهر الجبل (2)  
إقرأ في الموقع

الفعاليات
[ الفعاليات ]

السباق الرياضي الجماهيري-سوريا اسطورة صمود
الإعلان عن جائزة المزرعة دورة 2011
سهرة فنية على أطلال 2010 لجمعية أصدقاء الموسيقا
مهرجان المزرعة للإبداع الأدبي والفني
فعاليات مؤتمر الاستثمار في المنطقة الجنوبية
ألف مبروك للسيد حافظ محمود النجاد بفوزه بجائزة المصرف الدولي للتجارة والتمويل
تدشين صرح شهداء الثورة السورية الكبرى
بدء الاشتراك بمسابقة جائزة المزرعة للإبداع الأدبي والفني
قرية المشقوق على الانترنيت الان
تلفاز الإنترنت
المحطة الحالية:
لم تختار المحطة

<a href=''>Play لم تختار المحطة </a>

المميزون: أنقذوا السر المهني -1-

أرسلت في 20/10/2010 بواسطة swaidacity

الـكاتـب  [ swaidacity ]

أنقذوا السر المهني  (1)

 المحامي
أسامه توفيق أبو الفضل
نائب نقيب المحامين
في الجمهورية العربية السورية

    مما لا شك فيه أن السر المهني كان وما زال عنوان قداسة العمل في المحاماة وأول قسم يقطعه المحامي على نفسه لحماية المواطن والوطن .

إن التوجه الحالي في فقه القانون والاجتهاد بجواز كشف السر المهني أو الزام المحامي في أحيان وبحكم القانون تقديم ما يسمى بالبلاغ أو تقرير اشتباه عن موكله لأنه اشتبه بأنه هناك احتمال في وقوع أو وجود جريمة تبييض الأموال أو تمويل الارهاب .. الخ كل ذلك يجب إعادة النظر فيه ولن يعيد المشرع بسهولة النظر بموضوع حماية السر المهني واتخاذ الاتجاه الصحيح الذي يعتبر السر المهني من النظام العام فلا يجوز للمحامي ان يكشف السر المهني ولو طلب إليه ذلك موكله ولهذا رأيت أن أضع بين يدي الزملاء هذا لأمر الذي أراه خطيرا على المهنة وعلى مستقبل المحاماة وإن تظافر الجهود في توضيح أهمية السر المهني كفيل بأن يعيد المشرع النظر بهذا الموضوع ذلك لأن التخلي عن السر المهني يهدر كرامة المحاماة والمحامي وإن إجازة المحامي بكشف السر المهني لموكله أو إلزامه بذلك ينزل مرتبة المحامي من شريك للقضاء في تحقيق العدالة إلى مجرد اعتباره أحد أطراف الدعوى ويضع المحامي نفسه محل نقد وتجريح وتقريع أطراف الدعوى وأكثر من ذلك فهو يعرضه للملاحقة الجزائية وتجعله قصة تلوكها الألسن وإذا اقتنعنا أن التخلي عن السر المهني يعني بداية زوال مهنة المحاماة فإنه لا مبرر للقانون أن يسمح للموكل أن يفضح سره بلسان محاميه فيصبح المحامي بنظر المجتمع خائنا للأمانة  وإذا كانت مهنة المحاماة هي شريكة للقضاء في تحقيق العدالة أو معاونة للقضاء في ذلك فلا يجوز أن تقل مكانة المحامي وحقوقه وحصانته عن مكانة وحقوق وحصانة القضاة .

فيه . وقد خلا نص قانون العقوبات المتعلق بحماية السر المهني من الإشارة إلى المحامين ولكن رغم ذلك لم يتردد القضاء في إعلان التزام المحامي بالمحافظة

بداية نتساءل :
ـ لماذا يجبر الوكيل ( المحامي ) على قول سر لا يجبر فيه الأصيل على بوحه ؟
ـ لماذا تكون حقوق المحامي وواجباته أقل من حقوق وواجبات القاضي ؟
ـ لماذا نطلب إلى المحامي أن يتخلى عن حصانته ومكانته وينزل بمقامه الذي لا يقل عن مقام القضاء إلى موقع الخصوم ألسلنا جناحا العدالة ؟
ـ لماذا نسمح للمواطن أن يفضح ويفشي سره بلسان محاميه ولما لا يفعل المواطن ذلك بنفسه ؟
ـ لماذا يجوز التضحية ببعض الأدلة لحماية أمر أهم من تحقيق العدالة ولا نضحي بإعفاء المحامي أو حتى منعه من إفشاء السر ولو برضاء موكله؟
ـ لماذا لا نحترم القسم الذي نؤديه والذي قدم الحفاظ على السر المهني على احترام القوانين؟
ـ لمإذا يلزم المحامي بتقديم تقرير اشتباه بحق موكله أو بحق مراجع ونترك المحامي بعـد ذلك عرضة للمساءلة والملاحقة وإيذاء سمعته ؟
إن هذه الأسئلة وغيرها كثير تجعلنا نقف مجدداً وبتحفظ شديد على معالجة السر المهني بعد أن بدأ البعض يتحفز للنيل من قدسية السر المهني والذي نراه انه الأساس المتين الذي لولاه لن تبقى مهنة المحاماة طويلا وستحل محلها مهن طفيلية أخرى .
إن المخاطر التي تحيط بمهنة المحاماة عندما بدأت بعض القوانين وبعض الآراء تطفو على السطح لتنال من هذه المهنة التي صمدت عبر القرون الماضية ـ إن ما تقدم ـ يجعلنا مضطرين لان نعيد دراسة السر المهني فننقل ما قاله الفقهاء بحياد وبملاحظة أحيانا ولكننا بالنتيجة نحن المحامون من سيدفع الثمن في حال عدم تفهمنا للسر المهني والحفاظ عليه .
يميل الإنسان بطبعه إلى حفظ أسراره الخاصة به والى عدم البوح بها إلى الغير حتى لا يكون مصير حياته أو سمعته أو ما خطط له  الفشل أو الهزء أو الإيذاء أو حتى الموت في حال كشف الغير بعضها أو كلها .
إن الطبيعة الإنسانية والاجتماعية للإنسان وصلاته وتعامله مع من حوله يضطره أحيانا إلى هدم هذا الجدار الذي بناه بين عقله الباطن ( مستودع أسراره ) وبين ما حوله من البشر فيبوح ببعض أو كل  أسراره إلى من يثق به أو يسمح للغير بحكم مهنتهم بالاطلاع عليها كما هو حال الطبيب الذي يكشف على جسد الإنسان فيكشف أمراضا أو عيوبا كان المريض قد أخفاها عن الناس أو عندما يلجأ المواطن إلى محاميه ليكشف ما لديه من أسرار بهدف فوز قضيته واستعادة حقه أو رد الأذى والضرر عنه .
أظهرت المجمعات الإنسانية بعلاقاتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أشخاصا يمتهنون مهن تقتضي أن يلتقي هؤلاء أسرار الغير ليحافظوا عليها وتدفن معهم في قبورهم في معظم الأحيان إن لم يكن طبيعة السر المودع لديهم اقتضت الضرورة أو حالة السر نشره ويصبح كاتم السر محل إعجاب وتقدير فلا يبوح به لصديق أو قريب .
(( وللسر في موضع لا يناله صديق ولم يبلغ إليه شراب ))
إن تجربة الإنسان وخبرته تحذره من البوح بأسراره لخطورة ما ينجم عن ذلك من ضرر . وقديما قالوا : إذا ضاق صدر المرء عن كتم سره فصدر الذي يستودع السر أضيق .
طالما أن الإنسان مضطر في حياته الاجتماعية أن يفضي بأسراره فقد وجب أن يتصف المؤتمن على السر بصفات حميدة أقلها الأمانة والشرف والاستقامة وكتم السر ... فإذا ما أخل بهذا الالتزام ( كتم السر ) فقد الأمانة والشرف والاستقامة .
يعتبر كتم السر في مهنة المحاماة أهم وأقدس واجب يلتزم به المحامي فإذا ما فرط المحامي به فقد أساس وجوده .
التفريق بين ما هو سري بطبيعته والسر الخاص :
لابد من التفريق ابتداءً بين ما هو سري بطبيعته وبين السر الخاص بإنسان معين فالأمور السرية بطبيعتها تخرج عن إطار بحثنا هذا وتلك الأمور تتعلق بمسائل تخص الدولة أو المجتمع كما هو حال الأسلحة الحديثة المتطورة أو الأبحاث العسكرية أو الاقتصادية أو العلمية والتي تحرص الدول على اتخاذ الإجراءات الكفيلة بالحفاظ على أن تبقى سرية وجعل الاطلاع عليها محصوراً بعدد قليل من الأشخاص وتضع الدولة قيوداً ورقابة متعددة  على هؤلاء الأشخاص لمنعهم من توسيع دائرة أو عدد الأشخاص الذين يطلعون على تلك الأسرار . وتقنن الدول في تشريعاتها الأفعال والعقوبات الرادعة على من يحاول الاطلاع على تلك الأسرار   فتصف  المواطن الذي أخل بالحفاظ على تلك الأسرار خائناً وجاسوساً إن لم يكن يحمل جنسية البلد  المعتدى عليه .
غالبا ما تكون العقوبات المقررة في أشد صورها كالإعدام أو المؤبد أو لسنوات طويلة تستغرق معظم حياة الفاعل نظراً لما تتركه تلك الأفعال الجرميه من ضرر بالغ الخطورة على مصير الدول والمجتمعات ومنها ما قد يؤدي بالدول إلى فقدان استقلالها أو جزء من أراضيها أو أعداد هائلة من جنودها ومواطنيها ( المواد 271 وما بعدها من قانون العقوبات ) .
_ يجب التمييز أيضا بين ما هو سري بالنسبة للإنسان وبين السر ذاته فطالما احتفظ المرء بما هو خاص به ولم يطلع الغير عليه فهو سري لا وجود له تجاه الغير أو في محيط صاحب السر بينما السر ذاته يظهر عندما يبوح به أصحابه إلى الغير فيصبح هذا السر بحوزة شخص آخر اطلع عليه برضاء صاحبه أو عرضاً بحكم طبيعة عمل من اطلع عليه . ولا يتمتع السر بهذه الصفة إلا إذا اطلع عليه أو أودع لدى شخص أجاز له القانون بحكم طبيعة عمله أن يطلع عليه فإذا ما فرط المرء بشيء سري خاص به لشخص عادي أو صديق أو كشفه عرضا إلى الغير فهذا ليس بالسر المقصود في هذا البحث لان الإنسان العادي غير ملزم بالحفاظ على السر من الناحية القانونية وان كان مؤتمنا من الناحية الدينية أو الأخلاقية بالحفاظ عليه ما لم يندرج كشف السر تحت وصف آخر كالقدح أو الذم كما لا يتمتع الشيء بالسر إذا كان صاحبه قد أذاعه على الناس علنا وعندها يصبح الشيء خبراً أو معلومة في متناول الجميع .
إن اهتمام المجتمع بالسر المهني دليل اهتمام بإنسانية الإنسان وخصوصيته ووجوب الحفاظ عليه بل أن المجتمع يتنازل عن بعض حقوقه في سبيل حماية أفراده وبعث الطمأنينة  بينهم وإعطائهم الفرص للاستعانة بذوي الخبرة كالمحامين في حل مشاكلهم ليعودوا مواطنين صالحين فيتجاوزون أخطائهم بدلاً من الانغماس فيها واعتيادهم أو تكرارهم لتلك الأفعال التي إن انكشفت حق على فاعلها العقاب ، وإذا كنا لا نتصور من مشرع يقرر أو يجيز اختراع جهاز أو طريقة تدخل عقل الإنسان فتحلله وتنقل ما فيه من أفكار أو معلومات دون إرادة صاحبها لان ذلك مساس في إنسانية الإنسان التي هي فوق كل اعتبار وهي غاية كل قانون أو ارتباط أو عقد اجتماعي وإن ابسط تكريم للإنسان هو أن لا ننزع منه أسراره وأفكاره طالما رغب بذلك فإذا ما اضطر إلى البوح فيها لمن يخوله القانون تلقيها فإنه لا يجوز بالمقابل أن نسمح لمن تلقى السر بحكم طبيعة عمله أن يفشيه وهنا تكمن أهمية السر وارتقائه ليصبح حاجة اجتماعية عامة لا يجوز لأي مجتمع أن يفرط فيها .
إذا كان القانون قد أجاز لمن تلقى من أصحاب المهن أن يكشف عن سر كما هو حال الأمر إذا كان المقصود في إيداع السر ارتكاب جريمة لم تقع فإن التضحية هنا بهذا السر وكشفه ليس أساسه المساس بإنسانية الإنسان وخصوصيته بل لأن مرحلة السر في هذه الحالة تقابل مرحلة التفكير بالجريمة أو الإعداد لها وفي غالب الأحوال غير معاقب عليها قانونا وهنا يوازن المجتمع من خلال القانون بين مصالح متعارضة للمواطنين : مصلحة صاحب السر الذي باح به لمحاميه وفيه أنه يرغب بارتكاب جريمة بحق مواطن أو هيئة اعتبارية وبين مصلحة ذلك المواطن أو الهيئة الاعتبارية في أن تحافظ على وجودها وطمأنينتها وحريتها وحماية المجتمع لها وطالما أن صاحب السر هو الذي فرض على المجتمع هذا الخيار الصعب فقد كان لابد للمجتمع من أن يختار. ولا شك أنه سيختار حماية من التزم أحكام القانون والعقد الاجتماعي وهيبة الدولة وكيانها وأمن المجتمع فلا بد إذن من التفريط بحق صاحب السر بكشف سره لأنه إن فعل ما أراد فعله فقد خرج على القانون والمجتمع والدولة فإذا ما كشف مراجع لمحاميه انه يريد قتل خصمه في وقت محدد وقام المحامي فأبلغ عن احتمال وقوع تلك الجريمة وتمكين رجال الأمن من منع المراجع من ارتكاب جريمته أو تنبيه المجني عليه (المحتمل) فان ذلك لا يعتبر جريمة لان الفاعل لم يبدأ بأفعال ترمي مباشرة إلى تحقيق النتيجة والمشرع هنا فرط بالسر المهني وأجاز إباحته لان مع إباحته منع صاحب السر من ارتكاب ما ينوي القيام به وهذا المنع أو الامتناع لا يعتبر بحد ذاته جريمة ما لم تكن تلك الأفعال التي هيأها لتنفيذ جريمة تعتبر بحد ذاتها جريمة كحيازة السلاح بقصد ارتكاب الجريمة وكان هذا السلاح ممنوعا وغير مرخص أو كان المقصود من حيازته التهديد بالقتل وإرسال هذا التهديد عبر من تبلغه . ومن الأمثلة على تجاوز الضرر للفرد وتهديده  كيان الدولة أو المجتمع فقد ألزم القانون البوح بالسر تحت طائلة المسؤولية الجزائية لمتلقي السر كما في حالة العلم بجناية على أمن الدولة .
المرحلة التاريخية في السر المهني
 
 السر المهني في فرنسا :
 

يرجع تاريخ حماية السر المهني إلى عهد قديم في فرنسا منذ القانون الصادر في عام 1453 ثم أضاف لويس السادس في عام 1647 قانوناً  يقرر لبعض الشهود كمتلقي الاعتراف والمحامي حق رفض أداء الشهادة لدى القضاء بسبب الأسرار   التي عهدت إليهم وكان الاستثناء لهذه القاعدة هو السر المتعلق بمسألة تهم المحاكم أو الدولة إذا كان قسم المحامين القديم يتضمن الالتزام بإفشاء كل ما يعلمه المحامي إذا كان يهدد سلامة الملك ويلخص لنا الدكتور حسن علوب المراحل الأخيرة في القانون الفرنسي بقوله :
لم يكن من الممكن إلزام المحامي بالشهادة في المسائل التي لا يعرف عنها شيئا إلا بصفته محاميا ، كما أن الالتزام بحماية السر لم يكن مطلقا إذ كان يتوقف في الحالات التي تهدد سلامة الملك ، كما كان يتوقف أيضا برضاء العميل أو في حالة الاعتراف المزور من العميل . وكان المحامي الذي يخل بواجباته نحو السر يعتبر حانثاً بقسمة بصرف النظر عن العقوبات المنصوص عليها في القوانين الخاصة كما كان مكتب المحامي غير قابل للانتهاك وكان يمتنع ضبط الأوراق والخطابات فيه .
وقد خلا نص قانون العقوبات المتعلق بحماية السر المهني من الإشارة إلى المحامين ولكن رغم ذلك لم يتردد القضاء في إعلان التزام المحامي بالمحافظة على السر المهني ، وقد أعفى المحامي في أول حكم له في الموضوع عام 1816 من الإدلاء بالشهادة إذا كانت تؤدي إلى إفشاء السر ، وفي عام 1844 قرر القضاء إن مبدأ التزام المحامي بالمحافظة على السر المهني مطلق ومتعلق بالنظام العام وصارت تتوالى قراراته مؤكدة أن قيام نظرية للسر المهني قد اكتمل تطورها رغما عن الفراغ التشريعي في ذلك المجال مما يدعو إلى القول بان النظرية العامة للسر المهني هي من صنع التقاليد والفقه والقضاء ([1]) . _ السرية في القانون الانكليزي([2]) يتابع الدكتور علوب بقوله : تطور القاعدة : تعتبر قاعدة سرية الاتصالات التي تجري بين المحامي وعميله في القانون الانجليزي ، من أقدم الامتيازات التي تحمي مثل هذه السرية ، وقد وردت كاستثناء لقاعدة الإلزام بأداء الشهادة كقاعدة للبيانات . ويمكن صياغتها فيما يلي : حينما يلجأ شخص إلى استشارة قانونية من أي نوع من محام محترف بصفته تلك ، فان المعلومات المتعلقة بذلك الغرض والتي يطلع عليها المحامي ، تكون دائمة الحماية من إلزام العميل أو المستشار القانوني بإفشائها ، إلا إذا تنازل العميل عن تلك الحماية وتنتفي الحماية إذا كان العميل يرمي من الاستشارة إلى زج المحامي في مشروع إجرامي أو غش . والنظرية التي كان يستند إليها الاستبعاد قديما تختلف عما هو عليه اليوم ، فقد كان ذلك الامتياز يرمي في أول الأمر إلى حماية قسم وشرف المحامي بألا يبوح بأسرار عميله ، ثم ظهرت نظرية جديدة في تعليل القاعدة حيث أسستها على الحرية اللازمة للعميل حينما يستشير محامية ، والتي تتطلب استبعاد مخاطر الإفشاء ، إذ أن العميل لا يمكن أن يدلي بكل أسراره للمحامي وأن يفرغ له ما في صدره بطريقة تمكنه من أداء دوره ما لم يأمن عدم إمكانية إفشاء تلك الأسرار . وقد بدت النظرية الجديدة في الظهور منذ القرن السابع عشر وتعايشت مع النظرية السابقة لمدى نصف قرن ، ثم اختفت الأولى وصار يركن إلى الثانية وتبذل الجهود لتطويرها منذ الجزء الأخير من القرن السابع عشر . فالاختلاف بين النظريتين لا يقتصر فقط على التعليل ، ولكنه عميق في آثاره بالنسبة للنتائج التي تترتب على كل تعليل منها ، فوفقا للنظرية الأولى ، فإن الامتياز لم يكن يخص العميل ، بل كان يتعلق بشرف المحامي وقسمه ، وبالتالي ، فقد كان في وسع الأخير التنازل عنه إذا كان راغباً في أن يعرض للخطر ضميره وسمعته ، ولو أن المحاكم ليست لها سلطة إلزامه بذلك ، أما وفقاً للنظرية الأخرى ، فإن الإفشاء يخطر ما لم يكن برضاء العمل . أما في العهد الحاضر فإن القاعدة تستند في تعليلها إلى ما يعبر عنه فــي فقــــه القانـــون الإنكليزي: general or public policy of matter a as أي لاعتبارات من السياسة القانونية العامة ، وهو مفهوم يختلف في آثاره عن النظام العام بمفهومه في الفقه اللاتيني ، فالقاعدة المتعلقة بالسرية مقررة فقط لصالح العميل الذي له أن يتنازل عنها مع قيام ذلك التعليل في سندها ، وبالتالي فإن حماية استبعاد البينات التي تعد انتهاكا للقاعدة ، لا يستطيع أن يتمسك بها سوى العميل الذي يراد أن يفشي سره ، أما في الفقه اللاتيني فإن القواعد التي تعلل باعتبارات النظام العام لا يجوز التنازل عنها وعلى المحكمة أعمالها من تلقاء نفسها . الجدل الحاصل بين الفقيه بنتهام ومعارضيه ([3] ) يعتبر الجدل الحاصل بين الفقيه بنتام ومعارضيه حول السرية المهنية من أهم ما ورد إلينا حول السرية المهنية : فقد نقل إلينا الدكتور حسن علوب جدلاً مهماً حول السرية المهنية فذكر لنا رأي الفقيه المعروف بنتام ثم ألحقها بآراء المعارضين ولأهميتها ننقل ما جاء في هذا الكتاب : نقد بنتام للقاعدة ومعارضتها : قد لقيت القاعدة معارضة بنتام في كتابه evidence rational of judicial ، كما أن هناك من وقف معه في معارضة القاعدة مثل lord longdale وسنوجز فيما يلي حجج بنتام ولورد لونجديل كما أوردها (ويقمور )، فإنها تصور أي جدل فقهي أو فلسفي يمكن أن يثار حالياً حول القاعدة بتعليلاتها المختلفة ، كما أنها تمثل أقوى إدانة لمهنة وعمل المحاماة بواسطة فيلسوف ولو أنه لم يكن منخرطاً في المهنة القانونية إلا أنه كان فقيهاً معترفاً به . يقال في تأييد القاعدة وحججه في معارضتها . أولاً : قيل في تأييد القاعدة ، أن إلزام المحامي بأن يبوح بما أدلى به عميله ، فيه انتهاك للثقة ، ولكن إذا أدلى بذلك من تلقاء نفسه فلا مانع . إلا أن المسألة في نظر بنتام يجب ألا تتوقف على تطوع المحامي ، ولكن على ما إذا كان القانون يجيز له ذلك أو يلزمه بغيره . ثانياً : يقال أيضاً في تبرير القاعدة بأن إلزام المحامي بالإدلاء بالشهادة يحول دون أن يضع العميل ثقته فيه ، فلن يطلعه على كل الأسرار . فيتساءل( بنتام )عن الضرر في ذلك ، ويقول بأنه يجب أن يلزم المحامي بأن يبوح بكل شيء كما يلزم أن يعرف عميله ذلك سلفاً ، إذ أن هذا سيجنب المحامي الاستناد إلى دفاع زائف يدلي به العميل . ثالثاً : كما يقال أن المحامي لا يستطيع أن يقوم بدوره ، ما لم يطلع على كل الوقائع المتعلقة بالقضية ، وأن العميل لن يفعل ذلك في طمأنينة طالما كان هناك خطر الإفشاء . فيتساءل بنتام عن أي أمان في ذلك وعن الهدف الذي تعمل من أجله كل أجهزة القانون الجنائي إذا لم يكن كل من ارتكب مخالفة للقانون ، يغري نفسه بالأمل في ألا يكتشف أمره ، ويضيف بنتام بأن الأسباب التي تبدى في تأييد القاعدة يمكن أن تستخدم في نفيها . رابعاً : دافع البعض عن القاعدة قائلاً ، إن المذنب يجب أن يلقى الحماية حتى لو اعترف طواعية لمحاميه ، ويجب على المحامي مع ذلك أن يقوم بالدفاع عنه ، ولا يعتبر ذلك منه مخالفة للقانون ، إذ يجب أن يثبت الاتهام ضد المتهم مع ذلك ببينات مشروعة متميزة عن اعترافه لمحاميه ، (( فإن الإنسان يجب ألا يلقى حتفه كبهائم الضحايا دون مراعاة لقواعد الصيد )) ويتهكم بنتام من ذلك الرأي قائلاً : (( دعنا ننحره قرباناً ملائماً للآلهة ، بدلاً من أن نتركه فريسة تنهشها كلاب الصيد)) ويبدي بنتام عجبه لما يرمي له مثل ذلك الرأي ، ويتساءل عما إذا كان أصحابه يعتقدون حقاً أن نظام الإجراءات الجنائية يكون أفضل بإتاحته للمجرم الفرصة للفرار من العقاب ، ويتساءل كذلك عما إذا كان هناك أفضل من أن تسمع في إدانة مثل ذلك الشخص ، شهادة أعلم الناس بها . ويطالب بنتام بإلغاء تلك القاعدة التي تستبعد شهادة المحامي بدعوى السرية ، فيقول إن في إلغائها فائدة أخلاقية تعود إلى مهنة المحاماة وتحول بالتالي بين المحامي وبين تنصيب نفسه للدفاع عن قضية غير عادلة . ويرى بنتام أن المحامي الذي يساعد عميله المجرم على الخلاص من عقوبة الجريمة بنصيحته له يعتبر شريكاً له في الإجرام in pari dilicto ، كما يرى أن قبول المحامي الدفاع عن مجرم يجعله خاضعاً لحكم العبارة per se qui facit per alium facit ، أي أن من يجيز الفعل الإجرامي الذي يؤديه آخر يعد مرتكباً له . وقد لاحظ سير جيمس ستيفنسن أن نظريات بنتام كان لها تأثير عملي على تشريعات قطره وأقطار أخرى مثلما كان لآراء آدم سميث من أثر على التجارة . معارضة لورد لونجديل : يرى لونجديل أن الرجل البريء الذي يتهم كذباً ، سيكون من النادر راغباً في إخفاء الوقائع التي يكون قد أدلى بها لمحاميه من أجل الحصول على مساعدته القانونية التي يستحقها بجدارة ، أما الشخص الذي ينغمس في مشروع إجرامي فسيكون غير راغب في إفشاء الوقائع التي يكون قد أدلى بها لمحاميه بقصد التمكن من تأمين حصيلة إجرامه والاستمتاع بها ، ويتساءل اللورد ما إذا كانت مصلحة العدالة أو شرف وجدوى المهنة تسمو كثيراً أو قليلاً في إلزام فاعل الغش بأن يفشيه أو في أن يسمح له بإخفائه . رد ويقمور على الاعتراضات : ويقول ويقمور في الرد على تلك الآراء ، بأن حجج بنتام تبدو للوهلة الأولى بأنها لا تدحض ، لأن حرمان الشخص المذنب من الحصول على استشارة قانونية يبدو غير مضر بالعدالة ، بينما لن يخشى البريء شيئاً وبالتالي لن يضار . وسنقتصر من رد ويقمور على ما يتصل بالعميل المتهم موضع بحثنا ، فيقول إن حجة بنتام مردودة في القضـايا الجنـائية ، لأن أقـوال المتهـم لمحـاميه التي تكـون اعترافاً تعتبـر إدانـة للنفس self incriminating ، وتنطبق على استبعادها قاعدة عدم جواز إلزام الشخص بإدانة نفسه ، وحتى لو ألغيت القاعدة الخاصة بالاستبعاد ، لما امتنع المذنبون من استشارة المحامين ولكنهم فقط سيأخذون حذرهم من الإدلاء لهم بما يدينهم ، ولن يفيد الاتهام من ذلك بينما يفقد الدفاع عنصر التقدير المكفول له في بعض الأحوال . كما أن الامتياز الذي يكفل للعملاء ذوي المواقف غير السليمة ، حرية الاستشارة مع المحامين ، لا يكون شراً ، إلا إلى الحد الذي تتجرد فيه مهنة المحاماة من المبادئ ، والمفروض في المحامين ألا يكونوا طرفاً من خداع القانون ، وأن يقوموا بنصح عملائهم بالتخلي عن مواقفهم التي تبدو مخالفة للمبادئ المتفق عليها . ويرى ويقمور أن معارضة بنتام وتهكمه على القول بمنع الإفشاء كيلا يخون المحامي ثقة موكله ، تفوقها حجج القاعدة التي لا تخلو من وجاهة إذا استندت فقط إلى راحة ضمير المحامي في تبرير ذلك ، ومع هذا يرى ويقمور أن تلك القاعدة تبدو شذوذاً يجب ألا يتوسع فيه ، ويجدر الاحتفاظ بها لأسباب تتعلق بالسياسة العامة public policy ، ومع ذلك ، ففي سبيل البحث عن الحقيقة يجب أن تحصر في أضيق حدود متلائمة مع منطق المبدأ. _ تبرير الأستاذ الدكتور حسن علوب : يكفي لتبرير القاعدة إجماع النظم القانونية موضوع الدراسة على الأخذ بها باعتبارها لازمة لإعطاء فعالية لحق الاستعانة بمدافع ، والذي وضعته نظرية العدالة فيما وصلت إليه من تطور في مفهومها الحديث بين الحقوق الأساسية للإنسان ، وان كانت تلك القاعدة تتطلب للإعمال السليم لها وجود مهنة محاماة ذات خلق عال ومفاهيم مستقيمة لما يجب أن يكون عليها دور المحامي كمعين للعدالة ، في رعاية حقوق المتهمين دون تجن على حقوق المجتمع ، ومع افتراض استثناءات ترد عليها ، حيث ينتفي امتياز السرية إذا كان المتهم يسعى من وراء استشارة المحامي إلى تسهيل ارتكاب الأعمال الجنائية أو خداع القانون أو في حالة مساهمة المحامي في مثل تلك الأغراض ، كما أن تعليل القاعدة باعتبارات من السياسة العامة أو النظام العام يجب أن يفهم بمعنى مرن ، وعلى أنه المصلحة الاجتماعية المبنية على مصلحة المتهم في حظر الإفشاء ، وإلا لتقبلنا الرأي الذي يجعل تنازل المتهم عن الامتياز غير ممكن ...... رأي الدكتور عبد الوهاب حومد : نظراً لأهمية اعتبار الحفاظ على السر المهني مسألة تخص مصلحة المجتمع وتتعلق بالنظام العام ننقل حرفياً ما جاء في كتاب الأستاذ عبد الوهاب حومد ([4]) حيث قال : وهكذا نشأت نظرية السر المطلق التي أخذت شكلها المتشدد في مؤلف الأستاذ رينه غارو ، أستاذ أساتذة الجزائيات . ويقول هذا المؤلف :أنه لو أفضى فرد عادي بسره إلى فرد عادي آخر عن نفسه أو عن بيته أو عن جريمة فأفشاه فإنه لا يعاقب جزائياً . وحسب هذا الشخص أن يلوم نفسه على طيشه وتفريطه بسره لمن لم يصنه .. أما إذا أفضى بسره إلى راهب أو طبيب أو محام ، وأفشاه ، فإن الناس جميعاً يصابون بالأذى ، لأنهم دوما في حاجة إلى هؤلاء الأمناء . فإذا كانوا سيذهبون إليهم وأيديهم على قلوبهم خشية أن يتكلموا عن متاعبهم ، فإن سائر الناس سيصابون بالهلع والخوف ... وعندها سوف تتضرر الصحة العامة وتتأذى مصلحة الدفاع أمام القضاء وبالتالي تعاق إقامة العدل .. وإذن فهناك بعض المهن أو الوظائف تحتاج إلى حماية قانونية ، لتظل ثقة الناس بها لا حدود لها ، ويطمئن الناس إلى كتمان أسرارهم (( أمناء ضروريين )) . ويترتب على هذه النظرية ما يلي :
1_ إن السر يمنح أولاً للمهنة ثم للرجل الذي ائتمن عليه ..
2_ لا ريب في أن تحديد المهن التي تلتزم بالسر غير ميسور وحاجات المجتمع المتطورة هي التي تحدد مدى هذه الجريمة .. وإذن فمسألة السر شديدة الغموض من وجهة نظر التشريع الجنائي ، ومن واجب القضاء أن يظل ساهراً على صيانة الأسرار ، وفق حاجات المجتمع المتطورة . وواضح من هذه النظرة أنه يكاد يكون مستحيلاً إيجاد تعريف صحيح لسر المهنة ..
3_ سر المهنة سر واحد ، هو سر كل مهنة يرى المجتمع أن من الواجب على ممارسيها كتمانه . والقانون هو الذي يحدد هذه المهن . وفي حالة سكوته ، يشمر القضاء عن ساعديه ، مستوحياً مصلحة الجماعة لإكمال القائمة ، كلما طرحت عليه مسألة جديدة .. وعلى هذا فلا توجد تعددية في السر ، بمعنى أنه لا يوجد له أنواع : سر طبي وسر مصرفي وسر الكاتب بالعدل وسر الموظف .. فالواقعة أما أن تكون سراً أو لا تكون ، بحسب تقدير القاضي حين تعرض عليه . وترفض هذه النظرية قول من يزعم أنه توجد أنواع للسر تختلف في قوتها لأن مذهبا كهذا يخالف نص القانون ( المادة 378 ) بشكل فج وهو كذلك يخالف العقل ويصدمه ، ثم أنه شديد الخطورة عملياً .. ويمكن تلخيص نظرية السر المطلق ، بالقاعدة التي وضعها الأستاذ brouard (( السكوت دوما والسكوت تحت كل ظرف )) ولا استثناء إلا ما أجازه القانون بنص صريح . وقد أتاحت هذه النظرية الفرصة إلى أشخاص كثيرين ، من مهن مختلفة ، أن يرفضوا الشهادة أمام القضاء في قضايا جنائية ، متذرعين بسر المهنة ، كخدم البيوت وصغار المحاسبين وموظفي المصارف الذين يحملون أموال المصرف ويتعرضون للسطو عليهم . فإذا طلبوا للشهادة أمام القضاء فإنهم كانوا يرفضون ذكر رقم المبالغ للمحافظة على سر المهنة .. وطبعاً فإن القضاء كان يقف في وجه هذه المحاولات ، ويرغمهم على الكلام لأنه لا يعتبرهم من الأمناء الضروريين ..
4_ لا يملك صاحب السر أن يحل الأمين من سره ، لا بصورة خاصة ولا أمام القضاء . ذلك لأن صاحب السر في نظر هذا المذهب ، يملك سره طالما هو في صدره . فإذا اطلع عليه الملزم بكتمانه تعلق به حق المجتمع ، وأصبح من مقتضيات النظام العام ، وبالتالي فإنه لا يكون في وضع يسمح له بإعطاء إذن بإفشاء السر ، بسبب ما يلحقه من خطر بالثقة العامة .. ومن المحتمل أن تكون الخشية من الموافقة على إذاعة السر في هذه الأحوال ، ناشئة عن ضغط من الضابطة العدلية ينزع عنها طابع الصدق والأمانة ..
5_ إذا حدث وشهد الأمين أمام القضاء لسبب أو لآخر فأفشى السر ، فان شهادته يجب أن تعتبر باطلة ويعتبر باطلا كل ما يترتب عليها ، لان ما يبنى على الباطل يجب دوما أن يكون باطلاً .. وبالتالي يجب استبعادها من ملف الدعوى، حتى لا يتأثر بها القضاة أثناء مناقشاتهم ، ولا يصح اعتبارها احد عناصر القناعة . السر المهني في الشريعة الإسلامية والمسيحية : اهتمت الشريعة الإسلامية السمحاء بالإنسان ومعاملاته وعلاقاته مع العباد إضافة إلى تهذيبه وتأديبه وطاعته إلى الله سبحانه وتعالى ونهى الإسلام عن البوح بالسر وكشف عورات الغير ففي القرآن الكريم دستور المسلمين قوله تعالى : (( ولا تجسسوا )) سورة الحجرات الآية 12 . ((يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأذنون وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تتذكرون فإن لم تجدوا فيها أحد فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أذكى لكم والله بما تعلمون عليم )). سورة النور الايتان 27 و 28 وينقل إلينا الدكتور عبد الوهاب حومد ([5]) عن الشريعة فيقول (( وإذا كانت الشريعة قد عرفت عقوبات تعزيرية معينة ، فليس معنى ذلك أنها لا تعرف غيرها ، بل إن الشريعة تتسع لكل عقوبة تصلح الجاني وتؤدبه . والقاعدة العامة في الشريعة أن كل عقوبة تؤدي إلى تأديب المجرم واستصلاحه وزجر غيره وحماية الجماعة من شره وشر الجريمة هي عقوبة مشروعة )). وعقوبة التعزير عقوبة مقدرة ، وهي متروكة إلى ضمير القاضي وحده . ومن الفقهاء من يقبل كل عقوبة في التعزير إلا القتل والقطع . ومنهم ، وهم الأحناف وبعض الحنابلة ، وخاصة منهم ابن تيمية ابن القيم الجوزية ، يجيزون القتل تعزيراً . ويسمونه القتل سياسة . يتضح من ذلك أن مسألة السر في أساسها مسألة دينية أخلاقية . ولكن الشارع المعاصر ارتأى ألا تترك هذه المسألة لحكم المجتمع المجرد ، أو تقدير القاضي في قضية قد لا تتخطى اثنين من الناس ، صاحب السر ووديعة ، فأراد أن يصون حرمة بعض الأسرار بتدابير جزائية تعلن في الناس في نص تشريعي منشور . وهذا ما فعله لحماية بعض الأسرار الحساسة . وقد ألزمت الكنيسة الكاثوليكية رجالها الذين يتلقون اعترافات المؤمنين بكتمانها كتمانا مطلقا ، لكي يتجرأ المخطئ على البوح بخطئه إلى الكاهن الذي يثق به ، تفريجا عن كرب صدره وطلبا للمغفرة ووعدا بتوبة نصوح .. ثم مد الاجتهاد هذه الوجيبة إلى رجال الدين الآخرين في الشريعة المسيحية ... ولم يمس هذا الملاذ إلا في ظروف شاذة ، فقد ذكر المحامي الكبير الأستاذ فلورير في كتابه عن سر المهنة أن الكاهن في القرون الوسطى كان ملزما بإفشاء أسرار كل مؤامرة تحاك ضد الملك ، بل أنهم كانوا يعذبوه ليدلي باعترافاته في هذا الشأن . أما فيما عدا ذلك ، فإنهم كانوا يعاقبونه أشد العقاب إذا باح بالسر . (( وحين اشتد ساعد القضاء العلماني كان أشد قسوة على رجال الدين من القضاء الديني . فقد قضت محكمة باريس ( وكانت تسمى البرلمان ) على راهب بالشنق والحرق وذر رماده في الهواء .. )) وفعلت محكمة تولوز مثل ذلك براهب ، اتهم بإفشاء السر فقضت بتعذيبه وإعدامه حرقاً . كل ذلك لكي يكون المعترف آمنا على سره ، إذا أفضى به لكاهنه بسره وذنوبه ، طلبا للمغفرة .. وليس في الشريعة الإسلامية اعتراف أو شبهه . ولكن المؤمن كثيرا ما يلجأ إلى رجل الدين يستفتيه في أمور دينه وفي مشاكله الخاصة . وفي غياب نص محدد للعقاب ، فإنه يمتنع على هذا الفقيه أن يتناقل أسرار الناس ، لأنه سيكون موضع ازدرائهم ونفورهم . وفي حالات الإفشاء الحساسة ، فإنه قد يعاقب تعزيرا" ... ـ في الحديث الشريف نجد عدة أحاديث تحض على الحفاظ على السرية ففي حديث للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قوله : إذا حدث رجل حديثاً بحديث ثم التفت فهو أمانة . وقد عبر عن ذلك الإمام الغزالي رحمه الله فقال : (( إفشاء السر خيانة وهو حرام إذا ترتب عليه ضرر )) وقد جاء في كتاب الماوردي إن إظهار الرجل سر غيره أصبح من إظهار سر نفسه لأنه ينوء بأحد وصفين : الخيانة إذا كان مؤتمنه أو النميمة إذا كان مستودعاً وكلاهما مذموم !؟([6]) وفي الحديث الشريف قال أيضاً رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إنما يتجالسان المتجالسان بأمانة الله فلا يحل لأحد أن يفشي عن صاحبه ما يكره )). وفي حديث آخر للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قال ( إن من الخيانة أن تحدث بسر أخيك ) وقوله صلى الله عليه وسلم (( من ستر عورة أخيه المسلم ستر الله عورته يوم القيامة ومن كشف عورة أخيه المسلم كشف الله عورته حتى يفضحه في بيته )). وفي حديث رواه مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : (( لا يستر عبد عبداً في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة )) ويرى الدكتور مسلم اليوسف أن ستر المحامي لموكله يعتبر من مكارم الأخلاق فإذا اطلع المحامي على خطيئة أو معصية أو فضيحة وقع فيها موكله فما الغرض من فضيحته ونشر خطيئته إذا كان من الأمور غير المتعلقة بحقوق الآخرين الشخصية أو حقوق عامة ترتبط بها مصالح المسلمين الكبرى ؟ وانه لا مصلحة للمحامي في ذلك بل تعيير موكله وتنقيصه وإنزال مكانته بين الناس ( أما النصيحة فإنها تتحقق بتوجيهها له بالسر لا بالعلن أو بالموعظة العامة التي لا توجه إلى أشخاص محددين كما كان يفعل الرسول صلى اله عليه وسلم إذ كان يقول حينما يخبر بان بعض الناس قد فعل منكر من المنكرات : ما بال أقوام فعلوا كذا وكذا أو يفعلون كذا وكذا ويوجه موعظته لهم بصفة عامة ([7]) مع ملاحظتنا على ما قاله الدكتور مسلم من إباحته السر لو كان ذلك يتعلق بحقوق الآخرين إذا أن هذا غير جائز إلا إذا كان من قبيل أداء الشهادة وأن من يؤديها ليس محاميا مؤتمنا على السر المهني . أما إذا كان كشف السر يتعلق بالحقوق العامة التي نيط بها مصالح المسلمين الكبرى فلا خلاف في ذلك بل هو واجب وفرض عين . وقد استثنى الرسوم صل الله عليه وسلم من الالتزامات بكتمان السر عدة أمور عبر عنها بقوله : إفشاء درءاً للمفاسد وإزالة للضرر (( المجالس بالأمانة إلا ثلاثة : سفك لدم حرام ، أو فرج حرام أو اقتطاع مال بغير حق . وفي قول للإمام علي كرم الله وجهه ورضي الله عنه ( سرك أسيرك فإذا تكلمت به صرت أسيره وأعلم إن أمناء الأسرار أقل وجوداً من أمناء الأموال فحفظ الأموال أيسر من كتمان الأسرار ) . ويقول عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه (( القلوب أوعية والشفاه أقفالها فيلحظ كل إنسان مفتاح سره )) المستظرف للابشهي ص 167 ج 1 ( [8] ) متى يولد الحق بالسر المهني : نرى انه لا يحتاج الأمر في إلزام المحامي للحفاظ على السر المهني الذي وصل إليه من مراجع في معرض قيامه بواجبه المهني إلى توكيل يحرره صاحب السر للمحامي ، بل إن التزام المحامي بالسر المهني ينشأ في اللحظة التي يبدأ فيها المراجع بالبوح في سر من أسراره ، ولا يجوز للمحامي أن يتخلص من التزامه بالسر المهني بالدفع بعدم وجود توكيل وإن مجرد قيام طالب الاستشارة بعرض قضيته على المحامي وكشفه للمحامي بعض من أسراره يتولد تلقائيا التزام المحامي بالحفاظ على السر المهني ولو لم يتم توكيل هذا المحامي فيما بعد بل حتى ولو وكل طالب الاستشارة وصاحب السر ـ وكل ـ محاميا آخر فليس للمحامي الذي اطلع على هذا السر أن يقبل الوكالة لخصم صاحب السر بأي شكل من الأشكال . لقد رفع المشرع السر المهني إلى مرتبة القداسة عندما ألزم المحامي في قسمه أن يذكر صراحة بالتزامه بالحفاظ على السر المهني وفي ذلك جعل المشرع من السر المهني حاجة للمجتمع ، وان التفريط بالسر يفقد المحاماة أساس هام من وجودها ([9]). ولحظ قانون البينات أهمية السر فمنع المحامي من إفشاء السر لديه ([10]). مما لاشك فيه أن مهنة المحاماة بحد ذاتها ليس لديها أسرار ولا يحتاج لم يرغب العمل في مهنة المحاماة أن يطلع على أسرارها والمقصود بأسرار المحاماة هو أسرار الموكلين أو المراجعين أو حتى المتقاضين فيما لو اطلع المحامي على أسرار هؤلاء في معرض ممارسته المهنة وان وضع السر المهني في القسم له دلالته الحاسمة بأهمية هذا السر وان المحامي الذي لا يستطيع كتمان سر موكله ليس بمحام ويخطى من يعتقد انه بإكثاره الكلام وبوحه بأسرار موكليه يظهره أمام الناس بأنه عالم بكل شيء بل هو في فعله هذا يسيء إلى أقدس مقدسات المهنة أولا ثم يسيء إلى نفسه لأنه ما من امرئ يقبل أن تكون أسراره عرضة ومباحة بين السنة الناس . أهمية السرية عند العرب قديما : إضافة لما ذكرناه سابقا في هذا الفصل فان الحفاظ على السر حالة اجتماعية وضرورية ، وقديما درس قدماء العرب موضوع إفشاء الأسرار ضمن الرذائل ويعتبرها العرب من الرذائل التي يجب الابتعاد عنها . وان إفشاء الأسرار من نقائص البشر وعيوبهم واعتبروا إفشاء الأسرار مركبة بين الخرق والخيانة فقالوا : كثرة الكلام وشدة الضحك وسرعة الجواب والتحرك من غير حاجة وفي لحاجة . أما الخيانة : هو استبداد بما يؤتمن الإنسان عليه من الأموال والأعراض والحرم وتملك مما يستودع ومجاحدة مودعة ، ومن الخيانة في الأخبار إذا ندب لتأديتها وتحريف الرسائل إذا حملها وصرفها من وجوهها . وعليه إفشاء السر : هذا الخلق مركب من الخرق والخيانة فانه ليس بوقور من لم يضبط لسانه ولم يتسع صدره لحفظ ما يستسر به والسر إحدى الودائع وإفشاؤه نقيصة على صاحبه فالمفشي للسر خائن . والحقوا النميمة بإفشاء السر فالنميمة صفة مستقبحة من قبيل إفشاء السر وهو أن ُيبلغ إنسان إنساناً آخر قولاً مكروها وهذا الخلق قبيح جداً وإن لم يستسر هو بما يسمعه أو يبلغه ([11]) أما كتمان السر فقد اعتبرت ( وما زالت ) من الفضائل التي يجب الحفاظ عليها فقالوا عن كتان السر : مركب من الأمانة والوقار فان إخراج السر من فضول الكلام وليس يوقر من تكلم بالفضول ومن استودع سر فأفشاه إلى غير صاحبه يفقد الأمانة . والأمانة : التعفف عما يودع عن المرء من مال أو متاع وما يوقف عليه من أعراض وحرم مع القدرة على ذلك وان يردها كاملة سالمة يمسسها ضرر إلى مودعها . أما الوقار : الإمساك عن فضول الكلام والعتب الزائد وكثرة الإشارة والحركة التي لا ضرورة لها ([12]). العدالة والسر المهني : يقول قائل إن تقرير مبدأ السر وعدم جواز البوح به قد يعرض العدالة إلى خسارة كبيرة من المعلومات التي تفيد في تحقيق العدل والحد من الجريمة وان ينال كل مجرم جزاءه ويرد على هذا القول بان من بديهيات السياسة العقابية أن لاتصل العدالة إلى معاقبة مجرم من خلال هدر حق أسمى وأقدس من الحق المعتدى عليه أو المطلوب حمايته ، فكما يقرر القانون بسياسته العقابية الإعفاء من العقوبة لمن اشترك بمؤامرة على أمن الدولة إذا بلغ عنها رغم أن هذا الذي بلغ ليس سوى مجرم كباقي شركاه الذين اشتركوا في التحضير للمؤامرة على أمن الدولة وليس ليس بأقل خطورة عنهم بل هو أكثرهم خطراً لأنه خائن لمجموعته في مفهومها الذي أدى إلى التحضير إلى تلك الجريمة الخطيرة فأقدم على التبليغ ولكن ليس ببريء مما ساهم فيه إلى أن وصلت الأمور مع جماعته للتآمر على أمن الوطن أو الدولة ومع ذلك ومن خلال السياسة العقابية يتسامح القانون مع هذا المجرم لتشجيعه أن يبلغ عن تلك المؤامرة الخطيرة فيسلم الوطن من شرهم وجرائمهم فيصبح هؤلاء المجرمون رهن السجن إذا لم تكن عقوبتهم الإعدام ويظفر من بلغ بالحرية والحياة . وذلك من خلال الموازنة بين مصلحة المجتمع بان يفلت مجرم من العقوبة ويتخلص الوطن من مجموعة مجرمين ومن جريمة لو حصلت لنالت من الدولة أو الوطن فيضحي المجتمع ببعض حقوقه بغية الحفاظ على كيانه . إن إجبار مؤتمن السر من خلال مهنته إلى كشف السر المهني سوف يؤدي إلى نتائج خطيرة على المجتمع فيطفي الخوف على الطمأنينة وتتولد الفردية وحب الذات بل وأكثر من ذلك تؤدي الأمور إلى ارتكاب جرائم انتقامية بحق من أفشى السر ولو كان القانون هو من أجبره على ذلك وإذا سلم المؤتمن من الانتقام لم يسلم من احتقار محيطه له وبأنه غير أمين على أسرار الناس لاسيما تلك التي لا تمس أمن الدولة أو الوطن ويصبح أصحاب المهن محل شبهة فيتفكك المجتمع وتزداد الجريمة وتتضرر العدالة . لذلك يجب التمسك بالحفاظ عل السر المهني لأقصى الدرجات الممكنة وعدم إجازة البوح فيها إلا لمسائل خطيرة جداً تمس أمن الوطن والدولة وانه إذا كانت هناك مفاضلة بين كتمان سر مهني وبين حق مواطن أو جماعة صغيرة يجب أن نختار الحفاظ على السر المهني والحفاظ عليه هو أفضل للعدالة على المدى البعيد . فما هو المبرر لان نلزم المحامي بإفشاء سر امرأة أودعته محاميها إذا كان إفشاءه سوف يدمر الأسرة التي حماها الدستور قبل أن يحميها القانون .([13]) تبدو أهمية كتمان السر واضحة في مهنة الطب حيث أخذت حيزاً من قسم ابقراط إذ جاء فيه ... وسوف احتفظ بكل ما أراه أو أسمعه من أسرار الناس التي ينبغي إلا أكشف ما لا يجب ذكره مما تصل معرفتي إليه في حدود مهنتي أو خارجها أو في مخالطتي اليومية مع الناس بل أكتمه سراً . ولما ترجمت الكتب اليونــــانية ثم ترجمة هذا القسم العظيم بعد حذف الاسماء اليونانية ( الالهه ) فنص القسم في الدولة العباسية كما جاء في كتاب عيون الأنباء لابن أبي اصيبعه جاء فيه : أقسم بالله رب الحياة والموت ... وأما الأشياء التي أعاينها في أوقات علاج مرض أو اسمعها أو في غير أوقات علاجهم في تصرف الناس من الأشياء التي لا ينطق بها خارجا فامسك عنها وأرى أن مثالها لا ينطبق به . ينقل إلينا الدكتور عبد الوهاب حومد انه ، عندما اخذ قانون العقوبات الفرنسي بحماية السر المهني لأول مرة عام 1810 قوله : ومما يسترعي الاهتمام ما قاله خطيب في المجلس التشريعي بشأن المادة 378 الفرنسية التي تتضمن تحديد أركان سر المهنة فقد قال : إن هذا النص جديد وهو يدخل تشريعنا أول مرة . وحبذا لو أن المروءة تجعله عديم الجدوى . ولكن كم من أشخاص مؤتمنين على سر وصلهم عن طريق وظيفتهم ، يضحون بواجبهم للسخرية من الآخرين ويعبثون بقدسية مسائل خطيرة وينفثون الخبث ويحركون روح الأذى ، بإفشائهم الدنيء للأسرار ، وتشفيهم بالنكت الفاضحة ونشر العار على سمعة الأسر الطيبة والأفراد ... وواقع الأمور إن في الحياة اليومية للناس صحة ومرضا ، وفيها مباهج ومآسي ، وفيها استقامة وتعثرا.. وفيها ما يزين ما يشين .. ومهما كان المرء قادراً على ضبط نفسه ومجالدة أسراره فانه لابد واجه نفسه ذات يوم أمام طبيب يعرض عليه علته وينشد من فنه البرء ، أو أمام محام يشرح له واقعة أليمة نزلت بساحته ، ويطالبه النصح والمعونة ، أو أمام رجل دين قضت تعاليمه بالأخذ بيد من يبوح بجريرة ارتكبها . والمريض وصاحب المشكلة القانونية ومرتكب الذنب يودون أن تبقى أحوالهم في بئر معطلة ، لا يتسرب شيء من أنبائها إلى أحد .. ذلك أنهم لو كانوا يعرفون أنهم سيصبحون مضغة في الأفواه ، فإنهم بالقطع سوف يحجمون عن الإفضاء بأسرارهم لأحد حفاظا على كرامتهم التي عليها يحرصون ومصالحهم المادية التي عليها يسهرون . من هنا كانت مسألة الثقة في الذي استودع أسرار الناس مسألة لا تحتمل مساسا . وإنها لثقة ترعى مصالح الفرد الذي أفشى سره ويريد أن يظل مكتوما ، كما ترعى مصالح المجتمع الذي يسعى إلى نشر الطمأنينة والحفاظ على الصحة العامة بتشجيع المرضى بالذهاب إلى الأطباء لمداواة أمراضهم المعدية كي لا تنتشر بين الناس ويعم بلاؤها ، ومراجعة المحامين ليقفوا إلى جانبهم ويدافعوا عنهم معاونة على نشر العدل ومقارعة للظالم ونصرة للمظلوم ...([14]) . تعريف السر المهني : أولا ـ التعريف اللغوي : ورد في معجم التعريفات : للعلامة علي بن محمد الشريف الجرجاني . ص 102 السر : لطيفه مودعه في القلب كالروح في البدن ، وهو محل المشاهدة كما أن الروح محل المحبة ، والقلب محل المعرفة . يسر السّر : ما تفرد به الحق عن العبد كالعلم بتفصيل الحقائق في إجمال الاحدية وجمعها واشتمالها على ما هي عليه . (( وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو )) الأنعام 59 . وورد في المعجم المدرسي ص 494 : أسررت الأمر أو الحديث ،وأسررت به أسرارا : أخفيته . وأسررت الحديث إليه : أفضيت به إليه على انه سر . الآية (( فأسرها يوسف في نفسه ) (1) يوسف 77 أي أخفاها . واسّر الندامة أخفاها أو وجد مسّها في قلبه . سارّة في أذنه مسارّة وسرارا ناجاه وأعلمه بسره . تسارّ القدم : تناجوا واطلع بعضهم بعضا على سر ما . استسرّ استسرارا : خرج . والقمر استتر وخفي ليلة . السّرار . و ـ الأمر : خفي , ـ الشيء بالغ في إخفائه .
وورد في معجم المصطلحات القانونية ([15]) السر SECRET شيء مخبأ وبالتعميم حماية تغطي هذا الشيء ويمكن أن تتركز بالنسبة إلى من يعرف الشيء ، على تحظير إفشائه للغير ( مثلاً التزام الحفاظ على سر المذاكرة ) أو بالنسبة إلى من لا يعرفه على منع اكتشاف السر ( مثلاً انتهاك سر المراسلة ) _ السر الإداري secret administrative التزام يشكل عقبة أمام الإدارة في الإفصاح عن أســـباب تسويغ قراراتها أو الاطلاع على بعض مستنداتها غير أن تشريعاً حديثاً خفف ذلك في كل من هاتين النقطتين بحصر ما كان للممارسة من ضرر على مصالح الرعية . _ سر الصنع أو المصنع secret de fabrication ( ou de fabrigve ) نسق صنع يقدم فائدة عملية أو تجارية يطبقه صناعي ويبقى سرياً تجاه منافسيه ومحمياً ـ طالما لم يصبح موضوع براءة ـ ضد أي نشر من جانب جهاز مستخدمي المصنع يمكن أن يرتكز على مجرد مهارة يدوية أو نسق حاذق حتى بأهمية دنيا ، ويقلص نفقات الإنتاج أو يحسن نوعية المنتجات . _ سر الدفاع الوطني secret de la defense nalionale معلومات ، أو حاجات أو مستندات أو أســاليب يجب أن تبقى مستترة لصالح الدفاع الوطني ويشكل السعي إليها أو امتلاكها أو نشرها أو إتلافها جرائم ضد أمن الدولة . _ سر التحقيق secret dl enguete et de tinstriction أسرار مهنية متنوعة تطبق على أي شـــخص في إجراء التحقيق التحضيري . _ سر المراسلات وكتب الرسائل secret des correspondences et tettres حماية تغطي الحاجات المعهود بها إلى البريد ويرتكز على التحضير على أي كان ( موظف عمومـي أو أي مأمور في إدارة البريد أو فرد عادي ) إتلافها أو فتحها أو إخفائها أو اختلاسها حتى مؤقتاً وبالتعميم إخضاعها لمعاملات أخرى ( تأخير غشي أو منهجي أو إساءة إحالتها أو توزيعها بشكل خاطئ متعمد ) . _ السر المهني : secret professionnel التزام على الأشخاص الذين علموا بوقائع سرية في ممارسة وظائفهم أو في مناسبتها بعدم البوح بها خارج الحالات التي يحددها القانون وهو التزام ملقى على عاتق الأطباء والجراحين والصيادلة والقابلات القانونيات .. الخ يعاقب القانون العقوبات على الإخلال به كذلك على أي شخص من الأشخاص الآخرين المؤتمنين في حالة ما أو مهنة أو وظائف ( مؤقتة أو دائمة ) على أسرار معهود بها إليهم ( مثلاً المحامي والكاتب بالعدل والرؤساء الدينيون ) ويعفى من التزام الإدلاء بالشهادة حول الوقائع التي يعلمون بها في هذه الظروف .
وتدل كلمة السر في بعض التعابير على مكان منعزل وبالتعميم على منع الاتصال بالخارج. سريّ : صفة من اللاتينية mysticus ( عن اليونانية urotiscbc ) مخبأ متعلق بالأسرار الخفية mysteres . مستتر مخفي ، تقال في بعض الأعمال _ سرية بذاتها ( حتى متحقق منها رسميا ) ذات مضمون أو الدافع المحتفظ بسريته حتى تجاه السلطة التي تتلقاها ، مثلا يمكن أن يقال في الطلاق بالرضا المتبادل انه سري عندما ينظر إليه طلاق لسبب لا يذاع ، ولا يلزم الزوجان بكشف دافع انفصالهما للقاضي . سريّ : صفة من اللاتينية secretum شيء سري من الفعل secernere : فصل
1_ ما يجب عدم البوح به ( حتى من قبل من هم مطلعون عليه ) وبهذا المعنى لايستبعد الإفشاء للجمهور وحسب دائما أيضا اطلاع أو كشف حتى ولو كان خاصا مثلا مداولات القضاة سرية .
2_ ما يجب عدم كشف فاعله مثلا الاقتراع بالبطاقة السرية
3_ ما يمنع الاطلاع عليه ( بالنسبة إلى من هم على غير علم به قانونا )
4_ مخفي مستتر غير ظاهر تقال في شأن الصورية بخلاف العمل الجلي أو العمل المستتر غير المباح به للغير ( العقد المضاد ) الذي يحوي الإرادة الحقيقية للفريقين . التعريف الفقهي : يقول أستاذنا الدكتور المرحوم محمود محمود مصطفى : لم يرد في القانون تعريفا جامع لسر المهنة خصوصا وان تحديد السر مسألة مرنة جداً فما يعتبر بالنسبة لشخص ما أمراً سرياً لا يعتبر كذلك لشخص آخر ، وحتى بالنسبة للشخص الواحد فقد يختلف مفهوم السرية لديه فما يعتبر سرياً في ظروف معينة ومكان معين قد لا يعتبر في ظروف وأماكن أخرى . وقد ذكر الفقهاء تعاريف كثيرة للسر فقيل انه كل ما يضر إفشاءه بسمعة مودعه أو كرامته([16]). أو هو كل ما يعرفه الأمين أثناء أو بمناسبة ممارسة مهنته وكان في إفشائه ضرر لشخص أو لعائلة إما لطبيعته أو بحكم الظروف التي تحيط به . _ ومنهم من يحاول في تعريفه للسر وجوب الرجوع في ذلك أولاً إلى العرف والى ظروف واقعة على إنفراد فقد يكون السر مشرفاً وليس مشيناً لمن يريد كتمانه لكن يترتب على البوح به أن يلحق ضرراً لشخص أو عائلة إما لطبيعته أو لطبيعة الوقائع أو الظروف التي أحاطت بالموضوع([17]) ويستوي في ذلك أن يكون الضرر مادياً أو أدبيا . ويرى الأستاذ احمد فتحي زغلول أن السر الذي أمر القانون بكتمانه وعاقب على إفشائه هو كل أمر سري في عرف الناس أو في اعتبار قائله . يلاحظ الدكتور عبد الوهاب حومد([18]) مدى الصعوبة البالغة في تحديد مفهوم واضح للسر ذلك أن السر يختلف في طبيعته ومداه من مهنة إلى أخرى فالسر الذي يطلع عليه المحامي غير السر الذي يلتزم به الطبيب .... ويخلص أن تعريف السر المهني بأنه الواقعة التي يفضي بها صاحبها إلى مهني محدد قانوناً أو التي يطلع عليها هذا المهني أثناء ممارسته مهنته مما يدخل في إطار المهنة ويريد صاحبها أن تبقى مكتومة عن الناس أو يجب أن تبقى بطبيعتها مكتومة . وينقل الدكتور حومد عن الفقهاء تعريفهم للسر المهني فيقول : يعرف الأستاذ السويسري لوغوز السر المهني بأنه حيازة حصريه لمعرفة بعض الوقائع مضافة إلى إرادة صاحب السر بأن يظل وحده الحائز عليه . والأستاذ بوزا يعرف السر بقوله (( السر كل ما ليس معروفاً بالشهرة العامة )) بشرط أن تؤخذ الشهرة العامة بمعناها الضيق ([19]).
_ وبعد فإذا كنا نلحظ التوجه العام في تعريف السر هو الاتجاه إلى صاحب السر أكثر من الاتجاه إلى المهني الذي تلقى السر بحكم مهنته سواء اطلع عليها من صاحب السر مباشرة أو بصورة غير مباشرة في بعض الحالات وهذا بتقديرنا لم يرده واضع القانون فجميع التشريعات الجزائية وعلى حد علمنا لم تشترط على الإطلاق إقامة الدعوى العامة على مرتكب جرم إفشاء السر وجود ادعاء شخصي كما هو معهود في كثير من الجرائم كالزنا أو الإيذاء الذي لا يتجاوز مدة تعطيله عن العشرة أيام أو... الخ وبالتالي فإن المشرع لم يقصد على الإطلاق حماية صاحب السر وحسب بل قصد حماية المصلحة العامة ولهذا يمكن للنيابة العامة الادعاء على من ارتكب الجرم ولو لم يكن هناك مدعي شخصي وعلى ما تقدم نرى أن يشمل التعريف توازناً تاماً بين مصلحة صاحب السر وبين المصلحة الاجتماعية بوجوب الحفاظ على السر المهني من خلال المفهوم النسبي للسر المهني الذي يختلف من مهنة لأخرى كما تقدم ذكره .
إذا جاز لنا وضع تعريف يوازن ويراعي ما ذكرنا فنقول : السر هو الوقائع أو المعلومات التي تكون سرية بالنسبة لصاحبها فيفضي بها إلى مهني أو تكون الوقائع أو المعلومات التي اطلع عليها المهني سرية في مفهوم مهنته . ومن هذا التعريف الذي نراه فإنه يرتكب جرم الإفشاء من يذيع سراً مهنياً قد لا يراه صاحبه سرياً إلا أن أصول وقواعد المهنة تراه كذلك وذلك للغاية التي ذكرناها من أن الحفاظ على السرية من متعلقات النظام العام ولمقتضيات المصلحة العامة . وعلى سبيل المثال لو أن امرأة عرضت نفسها على طبيب لمعالجتها وشاهد الطبيب عورة من جسدها بحكم كشف الداء وكانت هذه المرأة ممن لاتهمها أن توصف عورتها فذاع الطبيب ذلك الوصف فيكون ارتكب جرم إفشاء السر ولو كانت المرأة ممن لا يهمها ما يقال لأن أصول مهنة الطب لا تقبل ذلك إطلاقاً ويقع الطبيب تحت طائلة العقاب ولو لم يكن هناك مدعي شخصي. وبالنسبة للمحامي وإن كان المثال صعب المنال فإنه لا يعني القائل الذي أسر لمحاميه بارتكاب جناية القتل فإنه يجب أن لا نبرر للمحامي أن يفشي السر المهني لمجرد أن القاتل لا يلحقه ضرر أو أنه اعترف أثناء استجوابه أو بعد أن أذاع المحامي سر موكله لأن مهنة المحاماة تقدم مصلحة عامة للمجتمع ومن مصلحة المجتمع أن يطمئن كل مواطن إلى محاميه فيسر إليه ما يراه من أسرار مطمئناًَ إلى أنه ليس لهذا المحامي من حق إذاعة السر .
وهذا رأينا . وفي هذا المقال : ينقل الدكتور حاتم بكار تعريفا من خلال تحديده لمفهوم السر وفق أنصار النظرية الشخصية فيقول بأنه (( هو ما يفضي به صاحب الشأن للغير وانه يحمل طابع السرية ولو لم يكن من شأنه إفشائه الإضرار بكرامة الشخص أو اعتباره أن العبرة هي بإرادة المودع في الإبقاء على الأمر سراً لا بالضرر المترتب على البوح به )) بينما يرى أنصار نظرية الضرر بان إفشاء السر لا يكون جريمة إلا إذا كانت الواقعة محل الإفشاء ضارة باعتباره شرف مودع السر ([20]) . أراء في حماية السر المهني : نظراً لخطورة وأهمية السر المهني ننقل عدة أراء لفقهاء ومحامين بغية الوصول إلى المقارنة ثم الحل الأمثل . ـ يقول العلامة رنيه كارو : إن المؤتمن لسر يكون له التزام المحافظة عليه لكن من جهة لا يكون خرق هذا الالتزام الشرفي قابلاً للعقاب لان المصلحة العامة لا تطلب هذا القمع ومن جهة أخرى لهذا الالتزام حد لان من يحصل على هذا السر لا يمكن إذا استجوبته العدالة أن يعفي نفسه من إعلانه دون أن يتعرض إما للعقوبات المطبقة على عدم القيام بالشهادة أو الشهادة الكاذبة إذا شوه الحقيقة ويكون الأمر مختلف فيما خص إفشاء السرية من قبل أشخاص مهنتهم الاطلاع على هذا السر بموجب هذه المهنة ... وان القانون الجزائي يتدخل هنا كما في كل مكان آخر لمصلحة النظام العام عندما يفشي شخص خاص سراً فمن جهة إفشاء شخص عادي لسر ما يمكن أن يتأذى به صاحب السر لأنه لم يبح به لمن يوثق به ولكن عندما يقوم طبيب أو محام مثلا بخيانة ضميره وبالإفشاء للسر الذي يعرفه بحكم لمهنة يتأذى العموم من هذا النقص في الثقة إذ وبسبب المخافة من عدم الكتمان سوف يخشى الجميع من مقابلة الأطباء والمحامين ويمس بالتالي بالصحة العامة وبالعدالة لذلك من المهم أن نحمي السر من كل إفشاء من قبل صاحب المهنة([21]) ويضيف العلامة غارو تعبيراً هاماً عن الأطباء وهو يصلح تماماً للمحامين حسب اعتقادنا قال : (( ... وإن سر المهنة يمتد ليس فقط لكل ما بوح له به وللأفعال التي هي سرية بذاتها والتي لم تبح للطبيب بل أيضاً على كل الأفعال والوقائع التي علمها واستنتجها وقررها وفاجأها ضمن ممارسته أو بمناسبة ممارسته لمهنة الطب وذلك عبر كشفه على حالة المريض أو على المرض ))([22]) وفي مهنة المحاماة نستطيع القول أن التزام المحامي بالسر المهني لا يمتد فقط لكل ما بوح للمحامي به من قبل الموكل أو المراجع بل يمتد إلى كل وقائع القضية التي علمها واستنتجها وقررها وكذلك التي فاجأ المحامي موكله بها فعرف أسراراً غير التي قالها الموكل له وكل ما عرفه ضمن ممارسته أو بمناسبة ممارسته لمهنة المحاماة ومن خلال متابعة الدعوى . ونرى أن الأمر يمتد لأكثر من ذلك فالمحامي الذي يطلع عرضاً وبحكم مهنته وأثناء حضوره لجلسة سرية وفي الحالات التي لا يخرج فيها جميع المحامين من قاعة المحكمة فإن ما يطلع عليه هذا المحامي من أسرار لم تدون في ضبط الجلسة تعتبر سراً لذلك المواطن أما ما دون في ضبط الجلسة فمن العيب على المحامي أن ينشرها لاسيما وأنها قد تقع تحت طائلة جريمة الذم والقدح وعلى المحامي أن يترفع عن ذلك . ـ رغم أننا لسنا بصدد شرح جريمة إفشاء السر في فرنسا وهو متروك للمراجع المتخصصة بهذا الشأن ومع ذلك ونظراً لخطورة السر المهني وتعرضه للخرق هنا وهناك نجد لزوما نقل ما قيل بهذه الشأن لجمع شتات البحث . فالعلامة غارو ومن خلال بحثه وشرحه عن جريمة إفشاء السر أكد أن مسؤولية إفشاء السر تتحقق عندما يكون السر قد أفشي عنه عن قصد وإراديا ولا تكون العلنية ضرورية فإذا كان الإفشاء نتيجة الصدفة أو نتيجة عدم الاحتراز أو الإهمال وهو ما سماه بالخطأ البسيط فلن تكون هناك ملاحقة ممكنة .
كما يؤكد العلامة غارو : إن نية الإضرار أو نية الحصول على منفعة غير مشروعة لا تكون ضرورية لوجود الجريمة التي تشتمل على كل الافشاءات ويخلص إلى القول : إن إفشاء السر هو بالتأكيد جريمة قصديه لكن القصد الجنائي الذي يميز هذه الجريمة لا يكون بنية الأضرار بالضرورة ([23]). ويلاحظ هنا أنه في المسائل التأديبية فإن إفشاء السر يحقق المسؤولية المسلكية ويوجب فرض العقوبة التأديبية ولكن يجب وفق ما يراه العلامة غارو أن يتوفر لدى المحامي القصد الخاص أي أنه يعلم بأنه يفشي سراً وأن هذا الأمر معاقب عليه وفق قانون العقوبات أو قانون تنظيم مهنة المحاماة ولكن الحالة الخاصة التي قالها العلامة غارو عن الإفشاء بدون قصد وإن ذلك كان نتيجة الإهمال أو قلة الاحتراز فإننا نرى هنا أن المسؤولية التأديبية تتحقق رغم عدم توفر نية الإفشاء ولكن وطالما أن الإهمال قد تحقق بالإفشاء فيجب وفق اعتقادنا ملاحقة المحامي مسلكياً إذا تحقق الضرر عملاً بصراحة المادة 58 من قانون تنظيم مهنة المحاماة رقم 39 لعام 1981 التي قالت : ( يعتبر زلة مسلكية كل إهمال غير مبرر أو جهل فاضح من المحامي أو من ينيبه يسبب الضرر لموكله ويستلزم تضمين المحامي الأضرار اللاحقة بموكله جراء ذلك ). _ يقول الأستاذ النقيب المرحوم الدكتور فرنان بالي في مقالة بعنوان علاقة المحامي بزبائنه ([24]) : واجب الأمانة على سر المهنة :... إن الأمانة على سر المهنة بقدر ما هي واجب على المحامي هي أيضا حق له وللموكل الذي يضع بين يديه شرفه وسمعته وماله وأسرار أسرته وأعماله فمن الضروري أن يهيأ له الجو النفساني الملائم كي يتمكن من إفضاء أسراره بدون تحفظ أو ريبة الأمر الذي لا يتحقق إلا إذا اطمأن على أن ما سيبوح به إلى المحامي لن يتجاوز جدران مكتبه .
والأمانة عن سر المهنة تشمل ( أولا ) المعلومات الشخصية التي يفضي بها الموكل إلى محاميه شفوية كانت أو خطية عن طريق الرسائل أو عن طريق تسليمه الوثائق فالمحامي ملزم بكتمان ما علم به وبرفض إبراز الوثائق اللاتي كلف بإبرازها . ولا يجوز لأية سلطة قضائية حجزها تحت يده أو ضبطها منه سواء كانت في حوزته الشخصية أو في مكتبه أو في أي مكان آخر جار بتصرفه .
والأمانة على سر المهنة تشمل ( ثانيا ) المعلومات التي تصل للمحامي عن طريق خصم موكله . فلو صادف وعلم المحامي بمناسبة اتصاله بخصم موكله وهو أمر محظور أساسا فعلم بمناسبة اتصاله بخصم موكله بأمور تتعلق بموكله أو بقضيته فمن المجمع عليه أن المحامي في هذه الحالة مقيد أيضا بسر المهنة لا يحق له إفشاء ما علمه لا لموكله ولا لغيره ( بايان ودنو ص 392 وكريميو ص 285 وقرار مجلس نقابة lovuain تاريخ 25/10/1879 وقرار مجلس نقابة بروكسل تاريخ 26/2/1906 vermelyan رقم 1718 و 1719 ) .
والأمانة على سر المهنة تشمل ( ثالثاً ) المعلومات والوقائع التي يتبادلها الزملاء محاموا الأطراف المتخاصمين في مفاوضات الصلح التي يجرونها فيما بينهم بقصد إيجاد حل ودي للخلاف فإذا فشلت المفاوضات فليس لأي منهم أن يثير في دفوعه ما اطلع عليه زميله الآخر في أثناء المفاوضات . وما زال القول للأستاذ النقيب فرنان بالي قال : وكذلك لا يجوز للمحامي الذي وصل إلى علمه من زميل له أمر يتعلق بموكله أو سمع من زميله عبارات بحق موكله لا يجوز للمحامي في هذه الحالة أن ينقل إلى موكله ما علمه أو سمعه بحقه ذلك لان النظام العام لا يسمح له كما قال مجلس نقابة بروكسل في قرار له صدر في عام 1936 أن يفشي هذه الأمور التي يفضي بها إليه زميله إلا اعتماداً منه على ضمان الكتمان الذي توجبه عليه صفته كمحام .
والأمانة على سر المهنة تشمل ( رابعا وأخيرا) المعلومات التي تصل لعلم المحامي وتتعلق بالغير وذلك لان واجب الأمانة على سر المهنة لا يفرق بين المعلومات التي تتعلق بالموكلين وتلك التي تتعلق بالغير فجميعها بدون استثناء مشمولة بأحكام المادة 65 بينات ([25]) .
وعلى هذا النحو قضى مجلس نقابة بروكسل بتاريخ 18ايار 1844 . ويضيف لنا الدكتور النقيب فرنان بالي ([26]) قائلا : ان مجلس نقابة بروكسل أخضع لسر المهنة المعلومات التي يطلع عليها المحامون ـ وكلاء كانوا أو لا ـ من خلال جلسات المحاكم الجزائية أو محاكم الجنايات السرية ومن خلال الشهود وفي تلك الجلسات . وقد صدر قرار عن المجلس المذكور بهذا الموضوع بتاريخ 4/7/1898 بعد نقاش دام طويلاً . ويتساءل الأستاذ النقيب فرنان بالي عن طبيعة السر المهني وهل هو مطلق لا يجوز التحلل منه ولو برضاء الموكل أو الشخص الذي أسر له به ؟ أم هو نسبي يمكن إعفاء المحامي منه . وبعبارة أخرى هل هو من متعلقات النظام العام ؟ ويجيب فيقول : فللرد على هذا السؤال ، يقضي أن نعود إلى المادة 66 من قانون البينات التي نصت : " ومع ذلك يجب على الأشخاص المذكورين في المادة السابقة أو يؤدوا الشهادة عن تلك الواقعة أو المعلومات متى طلب منهم ذلك من أسر لهم ، على ألا يخل ذلك بأحكام القوانين الخاصة بهم " . وبالرجوع إلى قانون المحاماة ، نجد سر المهنة هو واجب مقدس ، أراد المشرع تأييده باليمين التي يحلفها المحامي قبيل انتسابه إلى النقابة . وقد وردت صيغة اليمين تلك في المادة 11 من القانون على النحو التالي :"أقسم بالله أن أقوم بأعمالي بأمانة وشرف وأن أحافظ على سر المحاماة واحترام القوانين ، وألا أقصر في الاحترام الواجب للمحاكم وللسلطات العامة ". وعلى هذا الأساس انعقد الإجماع في الفقه وفي الاجتهاد القضائي على أن واجب الأمانة على سر المهنة هو من متعلقات النظام العام ، مما يستتبع معه عدم جواز إجبار المحامي على الإدلاء أمام القضاء بالمعلومات التي اطلع عليها عن طريق مهنته . وقد جاء في قرار محكمة النقض الفرنسية المؤرخ في11 أيار 1844 ( gardentat رقم 1609 ) بهذا الصدد ما يلي : حيث أن المحامي ملزم بصورة مطلقة بحفظ السرية في كل ما يطلع عليه بمقتضى مهنته . وحيث أن هذا الالتزام المطلق هو من النظام العام ولا يجوز لأحد أن يحل المحامي منه وحيث أن، المحامي حينما يدعى للشهادة لا يخضع إلا لضميره فيما أسر إليه وعليه أن يمتنع عن الإدلاء بما يرتضيه ضميره . وحيث أن المحامي "شابودي" قد صرح أمام المحكمة بأنه لايستطيع ان يجيب على الاسئلة التي وجهها إليه قاضي التحقيق الذي استشهده لانه يضطره بذلك الى إفشاء حوادث ووقائع اطلع عليها بصفته محاميا . وحيث انه لايستطيع القاضي ان يلح على المحامي للحصول على معلومات يدعى انها تدخل في نطاق سر المهنة . وحيث ان ينتج من ذلك ان اعتبار سكوت المحامي امتناعا غير مشروع عن أداء الشهادة والحكم عليه بغرامة هو تطبيق خاطىء للقانون . وحيث ان المحامي شابودي بامتناعه عن الاجابة على الاسئلة الموجههة إليه لايستحق تطبيق اية عقوبة عليه لذلك فالمحكمة تنقض . مؤرخ في 18/1/1934 ما يلي (vermelyen 1704 ) . جاء أيضا في قرار مجلس نقابة بروكسل ان مبدأ سر المهنة متعلق بالنظام العام ، وإذ كان قد شرع في مصلحة جميع الذين يلجأون إلى المحامين فانه مستقل عن الحالات الخاصة التي يطبق عليه . ويتوجب اعتبار تطبيقه ملجئاً لدرجة أن المحامي بإمكانه رفض إفشاء الوقائع التي اطلع عليها أثناء مزاولة مهنته حتى ولو حله منه موكله . فمن جهة وباعتباره واجبا فان سر المهنة رهن بإرادة من أسر به إليه وينتج من ذلك أن للمحامي أن يقدر هو وجوب الكلام أو عدمه ولو حله موكله من واجب كتمان السر . ومن المرغوب فيه بصورة عامة ، أن يكون سر المهنة مصونا ، وإذا سلمنا بان على المحامي أن يؤدي الشهادة متى أذن له موكله وان يصمت عنها متى طلب إليه ذلك ، فإننا نصل بحكم الضرورة إلى إعطاء صمت المحامي الذي يتذرع بسر المهنة معنى لا يتوفر فيه ، وعليه ينبغي على المحامي الذي حله موكله ألا يقبل بإفضاء الواقع التي اطلع عليه بمناسبة مزاولته مهنته إلا في حالات استثنائية . غير انه استثناء من مبدأ الأمانة على سر المهنة ، يحق للمحامي التحلل منه تلقائيا في حالة نشوب خلاف بينه وبين موكله ومبادرة الموكل الى ملاحقته ففي هذه الحالة يحق للمحامي الإفشاء بالمعلومات التي استودعه اياها موكله ، إذا كان الدفاع عن نفسه يبرر هذا الإفشاء الذي لولاه أضحى المحامي ضحية موكل سيء النية وقد أكدت محكمة النقض الفرنسية بهيئتها العامة هذا الاستثناء في قرارها المؤرخ في 20 نيسان 1908 أثر مطالعة رائعة للمحامي العام بودوان ويضيف الأستاذ كريميو ( ص 291 ) الذي اشار الى هذا الاستثناء ان مجرد تعارض المصالح بين المحامي وموكله لايبرر الإفشاء ، وانه إذا غدا المحامي ولاسباب خاصة أو سياسية خصما لموكله فلا يحوز له الافضاء بما سبق وأسره له موكله بالامس وخصمه اليوم . وهناك استثناء آخر لمبدأ الأمانة على سر المهنة نصت عليه المادة 65 من قانون البينات وذلك حينما يكون السر مقصودا به ارتكاب جناية أو جنحة ، فيحق للمحامي في هذه الحالة ، بل وعليه إعلام السلطات عنه والإدلاء بشهادته أمام القضاء عند الاقتضاء .
يستمر واجب الحفاظ على سر المهنة إلى ما بعد إنهاء المحامي مهمته أو زوال صفته كما تقول المادة 65 من قانون البينات ، والى ما بعد وفاة الموكل أيضا على ما ذهب إليه الاجتهاد ( دالوز العملي ، الجزء العاشر ص 678 الفقرة 35 ) . _ ويتحدث الأستاذ المرحوم ثابت المدلجي في مقالة عنوانها أخلاق المحاماة ([27]) حيث قال : الواجبات الأخلاقية تجاه سر المهنة: قد يبدو أو مسألة سر المهنة بعيدة عن أن تبعث في معرض هذا الموضوع ، إذ أن إفشاء السر قد تناوله قانون العقوبات وقانون مزاولة المهنة معاً فأوقعا على مرتكبه العقوبة المسلكية والجزائية ، وقد يتخيل الناس البعيدون عن جو المهنة : مادام سر المهنة لدى المحامي هو لدى الطبيب أو الكاهن فإن كل ما يقال في المكتب يعتبر سراً ، وكل إفشاء لهذا السر يقود إلى الإخلال بالواجب المسلكي ويتعرض مرتكبه للعقوبة ، فلا تعقيد إذن مع بساطة هذا الحل ووضوحه . آ_ بيد أن المسألة ليست كذلك ، فلئن صدق هذا القول على الطبيب أو الكاهن ، فعوقبا إن هما أفشيا سراً بنص القانون ، فإنه لا يصدق على المحامي ، إذ أن إفشاء السر جزء من واجب الأصيل .
إن الموكلين يفدون علينا كي ما نترافع عنهم أمام المحاكم في جلسات علنية ، وكل ما يقولونه ، قد ينقلب إلى أمر علني بعد أيام ، وفقاً لاختيارنا نحن كمحامين ، ومن هنا كان إفشاؤنا لكل ما قيل في المكتب أو بعض ما قيل مسألة محترمة بعد قبولنا القضية . ومن هنا تطرح مشكلة سر المهنة لدى المحامين كواجب مسلكي وواجب أخلاقي وتتخلق صعوباتها إلا أن معيارها الدائم هو إقناع الموكل بالإذن لنا بإفشاء ما يخدم قضيته من أسرار إقناعاً حكمياً ، والانتباه إلى طهارة وجداننا إزاء كل إفشاء . ب_ وتتحقق هذه الصعوبات في العمل عادة من اصطدام قاعدة سر المهنة بواجبات مسلكية أخرى ، تضع المحامي في مأزق يحار أحياناً في حلها ويتعين عليه مع ذلك أن يحلها باجتهاده ورأيه دون الاستعانة بالآخرين والمعيار هو ضميره ، مهتدياً بقواعد وتجارب أسلافه . وينقل إلينا المرحوم الأستاذ ثابت المدلجي مثالاً فيقول : مرت بي في العمل حادثة أخوين ، اتهم إحداهما بالقتل وأقر به . كيما يفتدي أخاه القاتل الحقيقي ، وقد أدلى إليّ بهذا السر وأوضح لي السبب في اعترافه ، وراح يحاول تكديس الأدلة على نفسه خلال سير التحقيق . لست أستطيع بالطبع أن أفشي هذا السر إلى قاضي التحقيق ولا إلى محكمة الجنايات من بعده فذلك واجب مسلكي ، فضلاً عن أنني لو فعلت لتعرضت إلى أن يكذبني موكلي نفسه ، ولست أستطيع أن أبني دفاعي في إنقاذ هذا البريء على قناعة شخصية أؤكدها للقضاء دون بيان سبب منطقي لها ولا يحق لي في الوقت ذاته أن أرافع عن المتهم على أساس أنه قاتل ملتمساً أسباب التخفيف فقط مع علمي أنه بريء . ههنا تصطدم الواجبات المسلكية بعضها بعضاً ، وقد ينغلق على المحامي سبيل التصرف السليم . وهناك حلان كما سبق لنا القول : الحل الذي يراه الأستاذ غارسون ، المحامي الفرنسي الشهير ، فهو يرى أن خير طريق للتخلص من هذا المأزق ، هو التخلي عن القضية ، حتى يضطر المتهم إلى توكيل محام آخر ؟، وسيعلم المتهم بموقف المحامي هذا أنه يتعين عليه كتمان هذا السر عن وكيله الجديد ، فيترافع عن الوكيل الجديد براحة ضمير ، ويعتبر الأستاذ غارسون أن مصلحة المتهم وحدها لا تكفي مقياساً لمعرفة ما يجب كشفه أو إخفاؤه في ممارسة المهنة . أما الرأي الأمريكي السائد ، الذي بسطنا في مطلع الحديث على لسان الأستاذ فولر فيقول بالثبات في الدفاع ، واستعمال كل الحجج لهدم هذه الأدلة التي كدسها الموكل على نفسه من حيث القانون ومن حيث الوقائع . وإنني شخصياً أؤثر ، وقد آثرت ، هذا الحل الأخير إذ لم استطع أن أخيًّب أمل إنسان وضع ثقته بي ، وبنيت مرافعتي على أساس براءته ، وحاولت بكل ما استطيع أن أهدم اعترافاته رغم أنفه هو حتى توصلت إلى إقناع المحكمة بذلك ، ولفظت المحكمة قرار البراءة ،وعادت النيابة العامة وجهاز التحقيق للبحث عن القاتل الحقيقي حتى وصلوا إليه . وقد تدق المسألة أحياناً أكثر من هذا تجاه الأخلاق ، عندما يكون الكتمان غير محدد لقضية الموكل ، فوق أنه قد يضر بمصالح أشخاص ثالثين لا دخل لهم في القضية ، وفي هذه الحالة تنشأ في نفس المحامي أزمة ضمير ويتسبب اختلافه مع موكله حول إفشاء السر أو كتمانه في مواقف محزنة ، على أن إذن موكله بالإفشاء لا محيد عنه ، وعلى المحامي أن يكون في منتهى الحكمة حتى يتوصل إلى إقناعه بضرورة ذلك ، فإن لم يتوصل ، فعليه أن يطلب الأذن من مجلس النقابة بإفشاء السر بعد أن يبين وجهة نظره في الموضوع وبعد هذا الإفشاء عن المساس بمصلحة موكله . د_ السر ملك الموكل فقط ، وهذا مقياس من مقاييس السر ، فإذا حدثت مفاوضات مصالحة بين الطرفين بحضور محام وبدرت أمور مختلفة تعتبر من الأسرار على لسان الخصم نفسه ، فهل يعتبر من واجب المحامي حفظ سر الخصم أيضاً ، ما دام قد تلقاه في مكتبه ؟. هذه بالطبع قضية يترك فيها التقدير للمحامي ، غير أن المتعارف عليه أن السر ، ما دام قد تلقاه المحامي في مكتبه ، ولو كان سر الخصم ، يجب كتمانه من حيث المبدأ ، غير أن كتمانه لا يؤخذ بنفس الشدة والضيق اللذين يؤخذ بهما الكتمان سر الموكل . ’سجل أن الخصوم قد يلجأون أحياناً إلى وسائل غير أخلاقية مع المحامي فيحضرون قبل معرفة المحامي إياهم في المحكمة ، تحت أسماء مستعارة إلى المكتب ويعرضون على المحامي مشكلة تشابه المشكلة التي سيتوكل عليها، ويطلبون إليه رأياً في الموضوع ، ويفشون إليه أسراراً ، كيما يعتذروا تجاههم بسر المهنة ويمنعون من الاستمرار في المرافعة ضدهم . يجب أن يكون المحامي حذراً تجاه هذا الشرك ، حتى إذا ما آمن أن هنا من ينصب له شركاً قطع الحديث فوراً ، أما إذا كان قد انزلق فجمع سريّن ، أو قال برأي قد يضر بموكله ، فيتعين عليه احتراماً لذلك أن يتخلى عن القضية كلها . هـ_ وقد تكون الأسرار التي ائتمن عليها المحامي وثائق مكتوبة ، ففي مثل هذه الحال لا يجوز أن يفشيها مطلقاً إذا مست أي مساس بمصلحة موكله ، بل إن إفشاءها يعرضه للعقوبة المسلكية . ’عرضت حالات طلب فيها القضاء من المحامي تقديم وثائق طعن بتزويرها أو لحاجة أخرى من حاجات التحقيق الجزائي ، وبعد أن اختلف الاجتهاد على إمكان احتفاظ المحامي بها كسر من أسرار المهنة عاد فاستقر على إلزامه بتقديمها ما لم يكن قد أعادها إلى موكله . فإذا ما ألزم بتقديمها وأبى ، أو إذا ما أتهم المحامي بجرم ما ، وأرادت العدالة تفتيش مكتبه للتحري عن أدلة الجريمة ، فما هي الوسائل التي تصون أسرار الناس الذين أودعوا المحامي أسرارهم وتؤمن في الوقت نفسه حسن سير العدالة ؟. و_ إن السماح بتفتيش مكتب المحامي ، والسماح بأن يطلع ممثل النيابة أو قاضي التحقيق على كل ما لديه من أضابير يؤدي إلى انتهاك أسرار الناس وإلى إطلاع القاضي على أمور لا يحق له الإطلاع عليها لأنها غير ذات علاقة بالجريمة التي يحقق فيها كما أن منع العدالة من التفتيش قد يؤدي إلى طمس معالم الجريمة . وقد حمل التشريع هذه الصعوبة ، بأن أوجب حضور النقيب عملية التفتيش ، لأن النقيب مقيد هو الآخر بسر المهنة ويمكنه أن يطلع القاضي على ما يتعلق بموضوع التحقيق فقط ، ويعارضه في الاطلاع على باقي الأمور ، وليس من حل عملي سوى هذا الحل حتى يومنا هذا . ز_ يرتبط بهذا الموضوع الحالات التي يدعى فيها المحامي إلى الشهادة في أمور تمت في مكتبه واتخذت طابع السرية .
ويظن كثير من الموكلين ، بل ومن الزملاء أيضاً . أن سر المهنة إنما هو التزام تعاقدي بين المحامي والموكل يشبه التزام الوديعة ، غير أن هذا الاعتقاد خاطئ لأن إحاطة سر المهنة بالصيانة ناجم عن أن مهنة المحاماة بحد ذاتها من المهن الأخلاقية التي تؤمن صالحاً اجتماعياً ، وقد استقر الاجتهاد الفرنسي على هذا الرأي ، وقال بأن على المحامي ألا يتقدم للشهادة حتى لو كانت في مصلحة موكله ، والوكيل لا يصح أن ينقلب شاهداً ، وإفساح المجال في هذا الباب يؤدي أحياناً إلى إساءة الاستعمال ، وإلى نزع الثقة من المهنة كلها . على أن هناك حالات لا مناص من الإدلاء بالشهادة فيها ، إذ لا يجوز أن تبقى العدالة بمعزل تام عن معلومات المحامي بصدد القضية ، ويترك لتقديره هو أن يقف عند الحد الذي يمس سر المهنة ، ومن هنا يتبين واجبه الأخلاقي في حدود الشهادة في نطاق سر المهنة . ح_ النقطة الأخيرة حيال الخلق القويم في سر المهنة هي حالة ما إذا كشف المحامي عن طريق هذا السر عن جريمة عوقب عليها بريء وأفلت الفاعل الحقيقي ، أو عن جريمة سترتكب ولكنها لم تتحقق بعد ، وبمقدوره منعها إذا أنذر الضحية ؟ في هذا الحال ، تحدث في نفس المحامي أزمة وجدان عنيفة فلا هو بمستطيع أن يبوح بما علم ، ولا يصح أن يبقى غير مبال بما حدث أو سيحدث : اختلفت الآراء حول هذه المسألة ، بيد أن الحل الأمثل في اعتقاد الأستاذ المدلجي بالقياس على حالة تفتيش مكتب المحامي بحضور النقيب ، هو أن ينهي المحامي إلى النقيب بما علم ، والنقيب هو الآخر ملزم بسر المهنة فلا خوف من فشو السر ، ويقوم النقيب بدوره بتحذير ضحية الجريمة المرتقبة ، أو بلفت نظر العدالة إلى الجريمة التي أدين فيها بريء دون أن يعلن مصدر معلوماته هذه . والمسألة في كل الأحوال ، تبقى مسألة وجدان وأخلاق . _ يرى الأستاذ الدكتور لوقا لوقا أن أية محاولة للنيل من حق المحامي في الحفاظ على سر المهنة تشكل انتهاكاً لسيادة القانون وافتئاتاً عليه مثلما تنطوي على تراجع للنظام الديمقراطي في أي مجتمع يلامس شفاف الحضارة الإنسانية ([28]). وقد قال: .. ويجدر بالمحامي في هذا السياق أن يدرك تماما بأنه مؤتمن على أسرار الناس فعليه أن يحافظ على السرية والكتمان بحذر شديد ولا يبوح بها ويبقيها ضمن جدران مكتبه فهو المكان المهيأ لحفظ الأسرار ، ولذلك اعتبر مكتب المحامي حرماً مصانا يتمتع بالحصانة التامة بنظر القانون ويمتنع على أي جهة الاطلاع على ملفات القضايا الموكلة إليه بدون موافقته . لئن أجازت بعض القوانين ذلك في حالات خاصة سواء بعد إبلاغ مجلس نقابة المحامين أو مجلس الفرع المعني ، أو عدم إبلاغهما ، بالإجراء المتخذ أو المطلوب اتخاذه ، فان ذلك يعتبر ماساً باستقلال المحاماة وتجاوزاً على تقاليدها وأعرافها المنطلقة أساسا من كونها رسالة ذات غايات إنسانية نبيلة تصون أسرار الناس وتحمي حقوقهم التي تتعلق غالبا بالنفس والمال والحرية والكرامة . سر المهنة كرسته قوانينها المتعاقبة بالقسم على ممارستها بأمانة وشرف والمحافظة على سر المحاماة .. وهذا السر هو من حقوق المواطن الأساسية ومن أولى واجبات المحامي التي لا يمكنه التحلل منها لأي سبب وتحت أي ظرف كان فهو ضروري لسيادة القانون وقيام القضاء بدوره على أكمل وجه ، وقد أسبغت عليه حماية خاصة بموجب المادتين السادسة والثامنة من الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان والاجتهادات الدائمة للمحكمة الأوربية في ستراسبورغ . إن أية محاولة للنيل من حق المحامي في الحفاظ على سر المهنة تشكل انتهاكا لسيادة القانون وافتئاتاً عليه مثلما تنطوي على تراجع للنظام الديمقراطي في أي مجتمع يلامس شغاف الحضارة الإنسانية . ـ في مقالة بعنوان المحامي مقتبسة عن داللوز باب المحامي الجزء الثاني الصحيفة 33 وما بعدها ترجمة الأستاذ جورج أنطاكي ([29]) ورد في البند 148 ـ ثالثا كتمان السر ما يلي : 148 ـ ثالثا كتمان السر : على المحامي أن لا يبوح بالأسرار التي تودع في أمانته إذ انه ينتمي إلى فئة الأشخاص الذين لا يمكنهم إباحة الأسرار التي يؤمنون عليه بمجرد مهنتهم أو وضعهم سوى في الحالات المنصوص عليها في القانــون وذلك تحت طائلة ارتكابهم الجرم المعاقب عليه بالمادة 378 من قانون الجزاء ( محكمة التمييز الغرفة الجنائية 20/1/1862 قسم 1 ص 545 ) . 149 ـ إلا انه يجوز للمحامين أن يكونوا شهوداً في دعاوى موكليهم ولكنهم غير ملزمين بالإيضاح إلا بخصوص ما علموه خارج عملهم المهني . ولضميرهم وحده حق البت فيما يتعلق بالتفريق بين الوقائع السرية وغير السرية ( محكمة التمييز الغرفة الجنائية 22/1/1828 ر 305 . محكمة روان 7/3/1835 ر357 و24/5/1862 مجموعة دالوز 1862 قسم 1 ص 545 ) ويمكن لمحكمة الجنايات أن تأمر المحامي الذي حضر كشاهد والذي يصرح بعدم إمكانه أداء شهادته بأن يعطي إفادته طالما أنها مقتصرة على الوقائع التي أحاطت علمه عن طريق غير ممارسة المهنة ( محكمة التمييز الغرفة المدنية 14/9/1827 ر307 قابل محكمة روان 5/8/1861 ر306 ). 150 ـ حتى أنه لا يجوز للموكل أن يحرر المحامي من السر ( محكمة التمييز الغرفة المدنية 11ـ85ـ148 ر308). 151 ـ إن الاجتهاد يشمل المحامي المشاور بقاعدة سر المهنة ( محكمة روان 17/12/1858 مجموعة دالوز عام 1859 قسم 2 ص 163 . محكمة التمييز الغرفة الجنائية 24/5/1862 مجموعة دالوز عام 1862 قسم 1 ص545 ) ويقصد بالمحامي المشاور الرجل القانوني الذي يعطي إرشادات إذ أنه يظهر من تنظيم نقابة المحامين حالياً أنه يعد لزوم للتفريق بين المحامين المشاورين والمحامين المرافعين ( مولو ج 2 ص 169 ) وفي الحقيقة أن المادة 378 من قانون الجزاء تشمل جميع الأشـخاص الذين يؤمنون على أسرار بسبب مهنتهم ( شوفر وفوستان هيلي "نظرية الحقوق الجزائية" ج5 ص7 ) ( راجع باب إفشاء السر ) . 152 ـ إن واجب كتمان السر مفروض على المحامي ليس عندما يكون شاهداً أمام المحكمة فحسب بل أيضاً في جميع الظروف الأخرى .
مثال ذلك : أن المحامي الذي يقوم بوظيفة الحكم لا يمكنه إعطاء شهادة يذكر فيها الكلمات التي لفظت أمامه لتبرز في قضية حيث أعيدت بعض مصاعب التحكيم على بساط البحث ( مولوج 2 ص 366قرار مؤرخ في 16/7/1860 )

على السر المهني ، وقد أعفى المحامي في أول حكم له في الموضوع عام 1816 من الإدلاء بالشهادة إذا كانت تؤدي إلى إفشاء السر ، وفي عام 1844 قرر القضاء إن مبدأ التزام المحامي بالمحافظة على السر المهني مطلق ومتعلق بالنظام العام وصارت تتوالى قراراته مؤكدة أن قيام نظرية للسر المهني قد اكتمل تطورها رغما عن الفراغ التشريعي في ذلك المجال مما يدعو إلى القول بان النظرية العامة للسر المهني هي من صنع التقاليد والفقه والقضاء ([1]) . _ السرية في القانون الانكليزي([2]) يتابع الدكتور علوب بقوله : تطور القاعدة : تعتبر قاعدة سرية الاتصالات التي تجري بين المحامي وعميله في القانون الانجليزي ، من أقدم الامتيازات التي تحمي مثل هذه السرية ، وقد وردت كاستثناء لقاعدة الإلزام بأداء الشهادة كقاعدة للبيانات . ويمكن صياغتها فيما يلي : حينما يلجأ شخص إلى استشارة قانونية من أي نوع من محام محترف بصفته تلك ، فان المعلومات المتعلقة بذلك الغرض والتي يطلع عليها المحامي ، تكون دائمة الحماية من إلزام العميل أو المستشار القانوني بإفشائها ، إلا إذا تنازل العميل عن تلك الحماية وتنتفي الحماية إذا كان العميل يرمي من الاستشارة إلى زج المحامي في مشروع إجرامي أو غش . والنظرية التي كان يستند إليها الاستبعاد قديما تختلف عما هو عليه اليوم ، فقد كان ذلك الامتياز يرمي في أول الأمر إلى حماية قسم وشرف المحامي بألا يبوح بأسرار عميله ، ثم ظهرت نظرية جديدة في تعليل القاعدة حيث أسستها على الحرية اللازمة للعميل حينما يستشير محامية ، والتي تتطلب استبعاد مخاطر الإفشاء ، إذ أن العميل لا يمكن أن يدلي بكل أسراره للمحامي وأن يفرغ له ما في صدره بطريقة تمكنه من أداء دوره ما لم يأمن عدم إمكانية إفشاء تلك الأسرار . وقد بدت النظرية الجديدة في الظهور منذ القرن السابع عشر وتعايشت مع النظرية السابقة لمدى نصف قرن ، ثم اختفت الأولى وصار يركن إلى الثانية وتبذل الجهود لتطويرها منذ الجزء الأخير من القرن السابع عشر . فالاختلاف بين النظريتين لا يقتصر فقط على التعليل ، ولكنه عميق في آثاره بالنسبة للنتائج التي تترتب على كل تعليل منها ، فوفقا للنظرية الأولى ، فإن الامتياز لم يكن يخص العميل ، بل كان يتعلق بشرف المحامي وقسمه ، وبالتالي ، فقد كان في وسع الأخير التنازل عنه إذا كان راغباً في أن يعرض للخطر ضميره وسمعته ، ولو أن المحاكم ليست لها سلطة إلزامه بذلك ، أما وفقاً للنظرية الأخرى ، فإن الإفشاء يخطر ما لم يكن برضاء العمل . أما في العهد الحاضر فإن القاعدة تستند في تعليلها إلى ما يعبر عنه فــي فقــــه القانـــون الإنكليزي: general or public policy of matter a as أي لاعتبارات من السياسة القانونية العامة ، وهو مفهوم يختلف في آثاره عن النظام العام بمفهومه في الفقه اللاتيني ، فالقاعدة المتعلقة بالسرية مقررة فقط لصالح العميل الذي له أن يتنازل عنها مع قيام ذلك التعليل في سندها ، وبالتالي فإن حماية استبعاد البينات التي تعد انتهاكا للقاعدة ، لا يستطيع أن يتمسك بها سوى العميل الذي يراد أن يفشي سره ، أما في الفقه اللاتيني فإن القواعد التي تعلل باعتبارات النظام العام لا يجوز التنازل عنها وعلى المحكمة أعمالها من تلقاء نفسها . الجدل الحاصل بين الفقيه بنتهام ومعارضيه ([3] ) يعتبر الجدل الحاصل بين الفقيه بنتام ومعارضيه حول السرية المهنية من أهم ما ورد إلينا حول السرية المهنية : فقد نقل إلينا الدكتور حسن علوب جدلاً مهماً حول السرية المهنية فذكر لنا رأي الفقيه المعروف بنتام ثم ألحقها بآراء المعارضين ولأهميتها ننقل ما جاء في هذا الكتاب : نقد بنتام للقاعدة ومعارضتها : قد لقيت القاعدة معارضة بنتام في كتابه evidence rational of judicial ، كما أن هناك من وقف معه في معارضة القاعدة مثل lord longdale وسنوجز فيما يلي حجج بنتام ولورد لونجديل كما أوردها (ويقمور )، فإنها تصور أي جدل فقهي أو فلسفي يمكن أن يثار حالياً حول القاعدة بتعليلاتها المختلفة ، كما أنها تمثل أقوى إدانة لمهنة وعمل المحاماة بواسطة فيلسوف ولو أنه لم يكن منخرطاً في المهنة القانونية إلا أنه كان فقيهاً معترفاً به . يقال في تأييد القاعدة وحججه في معارضتها . أولاً : قيل في تأييد القاعدة ، أن إلزام المحامي بأن يبوح بما أدلى به عميله ، فيه انتهاك للثقة ، ولكن إذا أدلى بذلك من تلقاء نفسه فلا مانع . إلا أن المسألة في نظر بنتام يجب ألا تتوقف على تطوع المحامي ، ولكن على ما إذا كان القانون يجيز له ذلك أو يلزمه بغيره . ثانياً : يقال أيضاً في تبرير القاعدة بأن إلزام المحامي بالإدلاء بالشهادة يحول دون أن يضع العميل ثقته فيه ، فلن يطلعه على كل الأسرار . فيتساءل( بنتام )عن الضرر في ذلك ، ويقول بأنه يجب أن يلزم المحامي بأن يبوح بكل شيء كما يلزم أن يعرف عميله ذلك سلفاً ، إذ أن هذا سيجنب المحامي الاستناد إلى دفاع زائف يدلي به العميل . ثالثاً : كما يقال أن المحامي لا يستطيع أن يقوم بدوره ، ما لم يطلع على كل الوقائع المتعلقة بالقضية ، وأن العميل لن يفعل ذلك في طمأنينة طالما كان هناك خطر الإفشاء . فيتساءل بنتام عن أي أمان في ذلك وعن الهدف الذي تعمل من أجله كل أجهزة القانون الجنائي إذا لم يكن كل من ارتكب مخالفة للقانون ، يغري نفسه بالأمل في ألا يكتشف أمره ، ويضيف بنتام بأن الأسباب التي تبدى في تأييد القاعدة يمكن أن تستخدم في نفيها . رابعاً : دافع البعض عن القاعدة قائلاً ، إن المذنب يجب أن يلقى الحماية حتى لو اعترف طواعية لمحاميه ، ويجب على المحامي مع ذلك أن يقوم بالدفاع عنه ، ولا يعتبر ذلك منه مخالفة للقانون ، إذ يجب أن يثبت الاتهام ضد المتهم مع ذلك ببينات مشروعة متميزة عن اعترافه لمحاميه ، (( فإن الإنسان يجب ألا يلقى حتفه كبهائم الضحايا دون مراعاة لقواعد الصيد )) ويتهكم بنتام من ذلك الرأي قائلاً : (( دعنا ننحره قرباناً ملائماً للآلهة ، بدلاً من أن نتركه فريسة تنهشها كلاب الصيد)) ويبدي بنتام عجبه لما يرمي له مثل ذلك الرأي ، ويتساءل عما إذا كان أصحابه يعتقدون حقاً أن نظام الإجراءات الجنائية يكون أفضل بإتاحته للمجرم الفرصة للفرار من العقاب ، ويتساءل كذلك عما إذا كان هناك أفضل من أن تسمع في إدانة مثل ذلك الشخص ، شهادة أعلم الناس بها . ويطالب بنتام بإلغاء تلك القاعدة التي تستبعد شهادة المحامي بدعوى السرية ، فيقول إن في إلغائها فائدة أخلاقية تعود إلى مهنة المحاماة وتحول بالتالي بين المحامي وبين تنصيب نفسه للدفاع عن قضية غير عادلة . ويرى بنتام أن المحامي الذي يساعد عميله المجرم على الخلاص من عقوبة الجريمة بنصيحته له يعتبر شريكاً له في الإجرام in pari dilicto ، كما يرى أن قبول المحامي الدفاع عن مجرم يجعله خاضعاً لحكم العبارة per se qui facit per alium facit ، أي أن من يجيز الفعل الإجرامي الذي يؤديه آخر يعد مرتكباً له . وقد لاحظ سير جيمس ستيفنسن أن نظريات بنتام كان لها تأثير عملي على تشريعات قطره وأقطار أخرى مثلما كان لآراء آدم سميث من أثر على التجارة . معارضة لورد لونجديل : يرى لونجديل أن الرجل البريء الذي يتهم كذباً ، سيكون من النادر راغباً في إخفاء الوقائع التي يكون قد أدلى بها لمحاميه من أجل الحصول على مساعدته القانونية التي يستحقها بجدارة ، أما الشخص الذي ينغمس في مشروع إجرامي فسيكون غير راغب في إفشاء الوقائع التي يكون قد أدلى بها لمحاميه بقصد التمكن من تأمين حصيلة إجرامه والاستمتاع بها ، ويتساءل اللورد ما إذا كانت مصلحة العدالة أو شرف وجدوى المهنة تسمو كثيراً أو قليلاً في إلزام فاعل الغش بأن يفشيه أو في أن يسمح له بإخفائه . رد ويقمور على الاعتراضات : ويقول ويقمور في الرد على تلك الآراء ، بأن حجج بنتام تبدو للوهلة الأولى بأنها لا تدحض ، لأن حرمان الشخص المذنب من الحصول على استشارة قانونية يبدو غير مضر بالعدالة ، بينما لن يخشى البريء شيئاً وبالتالي لن يضار . وسنقتصر من رد ويقمور على ما يتصل بالعميل المتهم موضع بحثنا ، فيقول إن حجة بنتام مردودة في القضـايا الجنـائية ، لأن أقـوال المتهـم لمحـاميه التي تكـون اعترافاً تعتبـر إدانـة للنفس self incriminating ، وتنطبق على استبعادها قاعدة عدم جواز إلزام الشخص بإدانة نفسه ، وحتى لو ألغيت القاعدة الخاصة بالاستبعاد ، لما امتنع المذنبون من استشارة المحامين ولكنهم فقط سيأخذون حذرهم من الإدلاء لهم بما يدينهم ، ولن يفيد الاتهام من ذلك بينما يفقد الدفاع عنصر التقدير المكفول له في بعض الأحوال . كما أن الامتياز الذي يكفل للعملاء ذوي المواقف غير السليمة ، حرية الاستشارة مع المحامين ، لا يكون شراً ، إلا إلى الحد الذي تتجرد فيه مهنة المحاماة من المبادئ ، والمفروض في المحامين ألا يكونوا طرفاً من خداع القانون ، وأن يقوموا بنصح عملائهم بالتخلي عن مواقفهم التي تبدو مخالفة للمبادئ المتفق عليها . ويرى ويقمور أن معارضة بنتام وتهكمه على القول بمنع الإفشاء كيلا يخون المحامي ثقة موكله ، تفوقها حجج القاعدة التي لا تخلو من وجاهة إذا استندت فقط إلى راحة ضمير المحامي في تبرير ذلك ، ومع هذا يرى ويقمور أن تلك القاعدة تبدو شذوذاً يجب ألا يتوسع فيه ، ويجدر الاحتفاظ بها لأسباب تتعلق بالسياسة العامة public policy ، ومع ذلك ، ففي سبيل البحث عن الحقيقة يجب أن تحصر في أضيق حدود متلائمة مع منطق المبدأ. _ تبرير الأستاذ الدكتور حسن علوب : يكفي لتبرير القاعدة إجماع النظم القانونية موضوع الدراسة على الأخذ بها باعتبارها لازمة لإعطاء فعالية لحق الاستعانة بمدافع ، والذي وضعته نظرية العدالة فيما وصلت إليه من تطور في مفهومها الحديث بين الحقوق الأساسية للإنسان ، وان كانت تلك القاعدة تتطلب للإعمال السليم لها وجود مهنة محاماة ذات خلق عال ومفاهيم مستقيمة لما يجب أن يكون عليها دور المحامي كمعين للعدالة ، في رعاية حقوق المتهمين دون تجن على حقوق المجتمع ، ومع افتراض استثناءات ترد عليها ، حيث ينتفي امتياز السرية إذا كان المتهم يسعى من وراء استشارة المحامي إلى تسهيل ارتكاب الأعمال الجنائية أو خداع القانون أو في حالة مساهمة المحامي في مثل تلك الأغراض ، كما أن تعليل القاعدة باعتبارات من السياسة العامة أو النظام العام يجب أن يفهم بمعنى مرن ، وعلى أنه المصلحة الاجتماعية المبنية على مصلحة المتهم في حظر الإفشاء ، وإلا لتقبلنا الرأي الذي يجعل تنازل المتهم عن الامتياز غير ممكن ...... رأي الدكتور عبد الوهاب حومد : نظراً لأهمية اعتبار الحفاظ على السر المهني مسألة تخص مصلحة المجتمع وتتعلق بالنظام العام ننقل حرفياً ما جاء في كتاب الأستاذ عبد الوهاب حومد ([4]) حيث قال : وهكذا نشأت نظرية السر المطلق التي أخذت شكلها المتشدد في مؤلف الأستاذ رينه غارو ، أستاذ أساتذة الجزائيات . ويقول هذا المؤلف :أنه لو أفضى فرد عادي بسره إلى فرد عادي آخر عن نفسه أو عن بيته أو عن جريمة فأفشاه فإنه لا يعاقب جزائياً . وحسب هذا الشخص أن يلوم نفسه على طيشه وتفريطه بسره لمن لم يصنه .. أما إذا أفضى بسره إلى راهب أو طبيب أو محام ، وأفشاه ، فإن الناس جميعاً يصابون بالأذى ، لأنهم دوما في حاجة إلى هؤلاء الأمناء . فإذا كانوا سيذهبون إليهم وأيديهم على قلوبهم خشية أن يتكلموا عن متاعبهم ، فإن سائر الناس سيصابون بالهلع والخوف ... وعندها سوف تتضرر الصحة العامة وتتأذى مصلحة الدفاع أمام القضاء وبالتالي تعاق إقامة العدل .. وإذن فهناك بعض المهن أو الوظائف تحتاج إلى حماية قانونية ، لتظل ثقة الناس بها لا حدود لها ، ويطمئن الناس إلى كتمان أسرارهم (( أمناء ضروريين )) . ويترتب على هذه النظرية ما يلي : 1_ إن السر يمنح أولاً للمهنة ثم للرجل الذي ائتمن عليه .. 2_ لا ريب في أن تحديد المهن التي تلتزم بالسر غير ميسور وحاجات المجتمع المتطورة هي التي تحدد مدى هذه الجريمة .. وإذن فمسألة السر شديدة الغموض من وجهة نظر التشريع الجنائي ، ومن واجب القضاء أن يظل ساهراً على صيانة الأسرار ، وفق حاجات المجتمع المتطورة . وواضح من هذه النظرة أنه يكاد يكون مستحيلاً إيجاد تعريف صحيح لسر المهنة .. 3_ سر المهنة سر واحد ، هو سر كل مهنة يرى المجتمع أن من الواجب على ممارسيها كتمانه . والقانون هو الذي يحدد هذه المهن . وفي حالة سكوته ، يشمر القضاء عن ساعديه ، مستوحياً مصلحة الجماعة لإكمال القائمة ، كلما طرحت عليه مسألة جديدة .. وعلى هذا فلا توجد تعددية في السر ، بمعنى أنه لا يوجد له أنواع : سر طبي وسر مصرفي وسر الكاتب بالعدل وسر الموظف .. فالواقعة أما أن تكون سراً أو لا تكون ، بحسب تقدير القاضي حين تعرض عليه . وترفض هذه النظرية قول من يزعم أنه توجد أنواع للسر تختلف في قوتها لأن مذهبا كهذا يخالف نص القانون ( المادة 378 ) بشكل فج وهو كذلك يخالف العقل ويصدمه ، ثم أنه شديد الخطورة عملياً .. ويمكن تلخيص نظرية السر المطلق ، بالقاعدة التي وضعها الأستاذ brouard (( السكوت دوما والسكوت تحت كل ظرف )) ولا استثناء إلا ما أجازه القانون بنص صريح . وقد أتاحت هذه النظرية الفرصة إلى أشخاص كثيرين ، من مهن مختلفة ، أن يرفضوا الشهادة أمام القضاء في قضايا جنائية ، متذرعين بسر المهنة ، كخدم البيوت وصغار المحاسبين وموظفي المصارف الذين يحملون أموال المصرف ويتعرضون للسطو عليهم . فإذا طلبوا للشهادة أمام القضاء فإنهم كانوا يرفضون ذكر رقم المبالغ للمحافظة على سر المهنة .. وطبعاً فإن القضاء كان يقف في وجه هذه المحاولات ، ويرغمهم على الكلام لأنه لا يعتبرهم من الأمناء الضروريين .. 4_ لا يملك صاحب السر أن يحل الأمين من سره ، لا بصورة خاصة ولا أمام القضاء . ذلك لأن صاحب السر في نظر هذا المذهب ، يملك سره طالما هو في صدره . فإذا اطلع عليه الملزم بكتمانه تعلق به حق المجتمع ، وأصبح من مقتضيات النظام العام ، وبالتالي فإنه لا يكون في وضع يسمح له بإعطاء إذن بإفشاء السر ، بسبب ما يلحقه من خطر بالثقة العامة .. ومن المحتمل أن تكون الخشية من الموافقة على إذاعة السر في هذه الأحوال ، ناشئة عن ضغط من الضابطة العدلية ينزع عنها طابع الصدق والأمانة .. 5_ إذا حدث وشهد الأمين أمام القضاء لسبب أو لآخر فأفشى السر ، فان شهادته يجب أن تعتبر باطلة ويعتبر باطلا كل ما يترتب عليها ، لان ما يبنى على الباطل يجب دوما أن يكون باطلاً .. وبالتالي يجب استبعادها من ملف الدعوى، حتى لا يتأثر بها القضاة أثناء مناقشاتهم ، ولا يصح اعتبارها احد عناصر القناعة . السر المهني في الشريعة الإسلامية والمسيحية : اهتمت الشريعة الإسلامية السمحاء بالإنسان ومعاملاته وعلاقاته مع العباد إضافة إلى تهذيبه وتأديبه وطاعته إلى الله سبحانه وتعالى ونهى الإسلام عن البوح بالسر وكشف عورات الغير ففي القرآن الكريم دستور المسلمين قوله تعالى : (( ولا تجسسوا )) سورة الحجرات الآية 12 . ((يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأذنون وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تتذكرون فإن لم تجدوا فيها أحد فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أذكى لكم والله بما تعلمون عليم )). سورة النور الايتان 27 و 28 وينقل إلينا الدكتور عبد الوهاب حومد ([5]) عن الشريعة فيقول (( وإذا كانت الشريعة قد عرفت عقوبات تعزيرية معينة ، فليس معنى ذلك أنها لا تعرف غيرها ، بل إن الشريعة تتسع لكل عقوبة تصلح الجاني وتؤدبه . والقاعدة العامة في الشريعة أن كل عقوبة تؤدي إلى تأديب المجرم واستصلاحه وزجر غيره وحماية الجماعة من شره وشر الجريمة هي عقوبة مشروعة )). وعقوبة التعزير عقوبة مقدرة ، وهي متروكة إلى ضمير القاضي وحده . ومن الفقهاء من يقبل كل عقوبة في التعزير إلا القتل والقطع . ومنهم ، وهم الأحناف وبعض الحنابلة ، وخاصة منهم ابن تيمية ابن القيم الجوزية ، يجيزون القتل تعزيراً . ويسمونه القتل سياسة . يتضح من ذلك أن مسألة السر في أساسها مسألة دينية أخلاقية . ولكن الشارع المعاصر ارتأى ألا تترك هذه المسألة لحكم المجتمع المجرد ، أو تقدير القاضي في قضية قد لا تتخطى اثنين من الناس ، صاحب السر ووديعة ، فأراد أن يصون حرمة بعض الأسرار بتدابير جزائية تعلن في الناس في نص تشريعي منشور . وهذا ما فعله لحماية بعض الأسرار الحساسة . وقد ألزمت الكنيسة الكاثوليكية رجالها الذين يتلقون اعترافات المؤمنين بكتمانها كتمانا مطلقا ، لكي يتجرأ المخطئ على البوح بخطئه إلى الكاهن الذي يثق به ، تفريجا عن كرب صدره وطلبا للمغفرة ووعدا بتوبة نصوح .. ثم مد الاجتهاد هذه الوجيبة إلى رجال الدين الآخرين في الشريعة المسيحية ... ولم يمس هذا الملاذ إلا في ظروف شاذة ، فقد ذكر المحامي الكبير الأستاذ فلورير في كتابه عن سر المهنة أن الكاهن في القرون الوسطى كان ملزما بإفشاء أسرار كل مؤامرة تحاك ضد الملك ، بل أنهم كانوا يعذبوه ليدلي باعترافاته في هذا الشأن . أما فيما عدا ذلك ، فإنهم كانوا يعاقبونه أشد العقاب إذا باح بالسر . (( وحين اشتد ساعد القضاء العلماني كان أشد قسوة على رجال الدين من القضاء الديني . فقد قضت محكمة باريس ( وكانت تسمى البرلمان ) على راهب بالشنق والحرق وذر رماده في الهواء .. )) وفعلت محكمة تولوز مثل ذلك براهب ، اتهم بإفشاء السر فقضت بتعذيبه وإعدامه حرقاً . كل ذلك لكي يكون المعترف آمنا على سره ، إذا أفضى به لكاهنه بسره وذنوبه ، طلبا للمغفرة .. وليس في الشريعة الإسلامية اعتراف أو شبهه . ولكن المؤمن كثيرا ما يلجأ إلى رجل الدين يستفتيه في أمور دينه وفي مشاكله الخاصة . وفي غياب نص محدد للعقاب ، فإنه يمتنع على هذا الفقيه أن يتناقل أسرار الناس ، لأنه سيكون موضع ازدرائهم ونفورهم . وفي حالات الإفشاء الحساسة ، فإنه قد يعاقب تعزيرا" ... ـ في الحديث الشريف نجد عدة أحاديث تحض على الحفاظ على السرية ففي حديث للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قوله : إذا حدث رجل حديثاً بحديث ثم التفت فهو أمانة . وقد عبر عن ذلك الإمام الغزالي رحمه الله فقال : (( إفشاء السر خيانة وهو حرام إذا ترتب عليه ضرر )) وقد جاء في كتاب الماوردي إن إظهار الرجل سر غيره أصبح من إظهار سر نفسه لأنه ينوء بأحد وصفين : الخيانة إذا كان مؤتمنه أو النميمة إذا كان مستودعاً وكلاهما مذموم !؟([6]) وفي الحديث الشريف قال أيضاً رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إنما يتجالسان المتجالسان بأمانة الله فلا يحل لأحد أن يفشي عن صاحبه ما يكره )). وفي حديث آخر للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قال ( إن من الخيانة أن تحدث بسر أخيك ) وقوله صلى الله عليه وسلم (( من ستر عورة أخيه المسلم ستر الله عورته يوم القيامة ومن كشف عورة أخيه المسلم كشف الله عورته حتى يفضحه في بيته )). وفي حديث رواه مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : (( لا يستر عبد عبداً في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة )) ويرى الدكتور مسلم اليوسف أن ستر المحامي لموكله يعتبر من مكارم الأخلاق فإذا اطلع المحامي على خطيئة أو معصية أو فضيحة وقع فيها موكله فما الغرض من فضيحته ونشر خطيئته إذا كان من الأمور غير المتعلقة بحقوق الآخرين الشخصية أو حقوق عامة ترتبط بها مصالح المسلمين الكبرى ؟ وانه لا مصلحة للمحامي في ذلك بل تعيير موكله وتنقيصه وإنزال مكانته بين الناس ( أما النصيحة فإنها تتحقق بتوجيهها له بالسر لا بالعلن أو بالموعظة العامة التي لا توجه إلى أشخاص محددين كما كان يفعل الرسول صلى اله عليه وسلم إذ كان يقول حينما يخبر بان بعض الناس قد فعل منكر من المنكرات : ما بال أقوام فعلوا كذا وكذا أو يفعلون كذا وكذا ويوجه موعظته لهم بصفة عامة ([7]) مع ملاحظتنا على ما قاله الدكتور مسلم من إباحته السر لو كان ذلك يتعلق بحقوق الآخرين إذا أن هذا غير جائز إلا إذا كان من قبيل أداء الشهادة وأن من يؤديها ليس محاميا مؤتمنا على السر المهني . أما إذا كان كشف السر يتعلق بالحقوق العامة التي نيط بها مصالح المسلمين الكبرى فلا خلاف في ذلك بل هو واجب وفرض عين . وقد استثنى الرسوم صل الله عليه وسلم من الالتزامات بكتمان السر عدة أمور عبر عنها بقوله : إفشاء درءاً للمفاسد وإزالة للضرر (( المجالس بالأمانة إلا ثلاثة : سفك لدم حرام ، أو فرج حرام أو اقتطاع مال بغير حق . وفي قول للإمام علي كرم الله وجهه ورضي الله عنه ( سرك أسيرك فإذا تكلمت به صرت أسيره وأعلم إن أمناء الأسرار أقل وجوداً من أمناء الأموال فحفظ الأموال أيسر من كتمان الأسرار ) . ويقول عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه (( القلوب أوعية والشفاه أقفالها فيلحظ كل إنسان مفتاح سره )) المستظرف للابشهي ص 167 ج 1 ( [8] ) متى يولد الحق بالسر المهني : نرى انه لا يحتاج الأمر في إلزام المحامي للحفاظ على السر المهني الذي وصل إليه من مراجع في معرض قيامه بواجبه المهني إلى توكيل يحرره صاحب السر للمحامي ، بل إن التزام المحامي بالسر المهني ينشأ في اللحظة التي يبدأ فيها المراجع بالبوح في سر من أسراره ، ولا يجوز للمحامي أن يتخلص من التزامه بالسر المهني بالدفع بعدم وجود توكيل وإن مجرد قيام طالب الاستشارة بعرض قضيته على المحامي وكشفه للمحامي بعض من أسراره يتولد تلقائيا التزام المحامي بالحفاظ على السر المهني ولو لم يتم توكيل هذا المحامي فيما بعد بل حتى ولو وكل طالب الاستشارة وصاحب السر ـ وكل ـ محاميا آخر فليس للمحامي الذي اطلع على هذا السر أن يقبل الوكالة لخصم صاحب السر بأي شكل من الأشكال . لقد رفع المشرع السر المهني إلى مرتبة القداسة عندما ألزم المحامي في قسمه أن يذكر صراحة بالتزامه بالحفاظ على السر المهني وفي ذلك جعل المشرع من السر المهني حاجة للمجتمع ، وان التفريط بالسر يفقد المحاماة أساس هام من وجودها ([9]). ولحظ قانون البينات أهمية السر فمنع المحامي من إفشاء السر لديه ([10]). مما لاشك فيه أن مهنة المحاماة بحد ذاتها ليس لديها أسرار ولا يحتاج لم يرغب العمل في مهنة المحاماة أن يطلع على أسرارها والمقصود بأسرار المحاماة هو أسرار الموكلين أو المراجعين أو حتى المتقاضين فيما لو اطلع المحامي على أسرار هؤلاء في معرض ممارسته المهنة وان وضع السر المهني في القسم له دلالته الحاسمة بأهمية هذا السر وان المحامي الذي لا يستطيع كتمان سر موكله ليس بمحام ويخطى من يعتقد انه بإكثاره الكلام وبوحه بأسرار موكليه يظهره أمام الناس بأنه عالم بكل شيء بل هو في فعله هذا يسيء إلى أقدس مقدسات المهنة أولا ثم يسيء إلى نفسه لأنه ما من امرئ يقبل أن تكون أسراره عرضة ومباحة بين السنة الناس . أهمية السرية عند العرب قديما : إضافة لما ذكرناه سابقا في هذا الفصل فان الحفاظ على السر حالة اجتماعية وضرورية ، وقديما درس قدماء العرب موضوع إفشاء الأسرار ضمن الرذائل ويعتبرها العرب من الرذائل التي يجب الابتعاد عنها . وان إفشاء الأسرار من نقائص البشر وعيوبهم واعتبروا إفشاء الأسرار مركبة بين الخرق والخيانة فقالوا : كثرة الكلام وشدة الضحك وسرعة الجواب والتحرك من غير حاجة وفي لحاجة . أما الخيانة : هو استبداد بما يؤتمن الإنسان عليه من الأموال والأعراض والحرم وتملك مما يستودع ومجاحدة مودعة ، ومن الخيانة في الأخبار إذا ندب لتأديتها وتحريف الرسائل إذا حملها وصرفها من وجوهها . وعليه إفشاء السر : هذا الخلق مركب من الخرق والخيانة فانه ليس بوقور من لم يضبط لسانه ولم يتسع صدره لحفظ ما يستسر به والسر إحدى الودائع وإفشاؤه نقيصة على صاحبه فالمفشي للسر خائن . والحقوا النميمة بإفشاء السر فالنميمة صفة مستقبحة من قبيل إفشاء السر وهو أن ُيبلغ إنسان إنساناً آخر قولاً مكروها وهذا الخلق قبيح جداً وإن لم يستسر هو بما يسمعه أو يبلغه ([11]) أما كتمان السر فقد اعتبرت ( وما زالت ) من الفضائل التي يجب الحفاظ عليها فقالوا عن كتان السر : مركب من الأمانة والوقار فان إخراج السر من فضول الكلام وليس يوقر من تكلم بالفضول ومن استودع سر فأفشاه إلى غير صاحبه يفقد الأمانة . والأمانة : التعفف عما يودع عن المرء من مال أو متاع وما يوقف عليه من أعراض وحرم مع القدرة على ذلك وان يردها كاملة سالمة يمسسها ضرر إلى مودعها . أما الوقار : الإمساك عن فضول الكلام والعتب الزائد وكثرة الإشارة والحركة التي لا ضرورة لها ([12]). العدالة والسر المهني : يقول قائل إن تقرير مبدأ السر وعدم جواز البوح به قد يعرض العدالة إلى خسارة كبيرة من المعلومات التي تفيد في تحقيق العدل والحد من الجريمة وان ينال كل مجرم جزاءه ويرد على هذا القول بان من بديهيات السياسة العقابية أن لاتصل العدالة إلى معاقبة مجرم من خلال هدر حق أسمى وأقدس من الحق المعتدى عليه أو المطلوب حمايته ، فكما يقرر القانون بسياسته العقابية الإعفاء من العقوبة لمن اشترك بمؤامرة على أمن الدولة إذا بلغ عنها رغم أن هذا الذي بلغ ليس سوى مجرم كباقي شركاه الذين اشتركوا في التحضير للمؤامرة على أمن الدولة وليس ليس بأقل خطورة عنهم بل هو أكثرهم خطراً لأنه خائن لمجموعته في مفهومها الذي أدى إلى التحضير إلى تلك الجريمة الخطيرة فأقدم على التبليغ ولكن ليس ببريء مما ساهم فيه إلى أن وصلت الأمور مع جماعته للتآمر على أمن الوطن أو الدولة ومع ذلك ومن خلال السياسة العقابية يتسامح القانون مع هذا المجرم لتشجيعه أن يبلغ عن تلك المؤامرة الخطيرة فيسلم الوطن من شرهم وجرائمهم فيصبح هؤلاء المجرمون رهن السجن إذا لم تكن عقوبتهم الإعدام ويظفر من بلغ بالحرية والحياة . وذلك من خلال الموازنة بين مصلحة المجتمع بان يفلت مجرم من العقوبة ويتخلص الوطن من مجموعة مجرمين ومن جريمة لو حصلت لنالت من الدولة أو الوطن فيضحي المجتمع ببعض حقوقه بغية الحفاظ على كيانه . إن إجبار مؤتمن السر من خلال مهنته إلى كشف السر المهني سوف يؤدي إلى نتائج خطيرة على المجتمع فيطفي الخوف على الطمأنينة وتتولد الفردية وحب الذات بل وأكثر من ذلك تؤدي الأمور إلى ارتكاب جرائم انتقامية بحق من أفشى السر ولو كان القانون هو من أجبره على ذلك وإذا سلم المؤتمن من الانتقام لم يسلم من احتقار محيطه له وبأنه غير أمين على أسرار الناس لاسيما تلك التي لا تمس أمن الدولة أو الوطن ويصبح أصحاب المهن محل شبهة فيتفكك المجتمع وتزداد الجريمة وتتضرر العدالة . لذلك يجب التمسك بالحفاظ عل السر المهني لأقصى الدرجات الممكنة وعدم إجازة البوح فيها إلا لمسائل خطيرة جداً تمس أمن الوطن والدولة وانه إذا كانت هناك مفاضلة بين كتمان سر مهني وبين حق مواطن أو جماعة صغيرة يجب أن نختار الحفاظ على السر المهني والحفاظ عليه هو أفضل للعدالة على المدى البعيد . فما هو المبرر لان نلزم المحامي بإفشاء سر امرأة أودعته محاميها إذا كان إفشاءه سوف يدمر الأسرة التي حماها الدستور قبل أن يحميها القانون .([13]) تبدو أهمية كتمان السر واضحة في مهنة الطب حيث أخذت حيزاً من قسم ابقراط إذ جاء فيه ... وسوف احتفظ بكل ما أراه أو أسمعه من أسرار الناس التي ينبغي إلا أكشف ما لا يجب ذكره مما تصل معرفتي إليه في حدود مهنتي أو خارجها أو في مخالطتي اليومية مع الناس بل أكتمه سراً . ولما ترجمت الكتب اليونــــانية ثم ترجمة هذا القسم العظيم بعد حذف الاسماء اليونانية ( الالهه ) فنص القسم في الدولة العباسية كما جاء في كتاب عيون الأنباء لابن أبي اصيبعه جاء فيه : أقسم بالله رب الحياة والموت ... وأما الأشياء التي أعاينها في أوقات علاج مرض أو اسمعها أو في غير أوقات علاجهم في تصرف الناس من الأشياء التي لا ينطق بها خارجا فامسك عنها وأرى أن مثالها لا ينطبق به . ينقل إلينا الدكتور عبد الوهاب حومد انه ، عندما اخذ قانون العقوبات الفرنسي بحماية السر المهني لأول مرة عام 1810 قوله : ومما يسترعي الاهتمام ما قاله خطيب في المجلس التشريعي بشأن المادة 378 الفرنسية التي تتضمن تحديد أركان سر المهنة فقد قال : إن هذا النص جديد وهو يدخل تشريعنا أول مرة . وحبذا لو أن المروءة تجعله عديم الجدوى . ولكن كم من أشخاص مؤتمنين على سر وصلهم عن طريق وظيفتهم ، يضحون بواجبهم للسخرية من الآخرين ويعبثون بقدسية مسائل خطيرة وينفثون الخبث ويحركون روح الأذى ، بإفشائهم الدنيء للأسرار ، وتشفيهم بالنكت الفاضحة ونشر العار على سمعة الأسر الطيبة والأفراد ... وواقع الأمور إن في الحياة اليومية للناس صحة ومرضا ، وفيها مباهج ومآسي ، وفيها استقامة وتعثرا.. وفيها ما يزين ما يشين .. ومهما كان المرء قادراً على ضبط نفسه ومجالدة أسراره فانه لابد واجه نفسه ذات يوم أمام طبيب يعرض عليه علته وينشد من فنه البرء ، أو أمام محام يشرح له واقعة أليمة نزلت بساحته ، ويطالبه النصح والمعونة ، أو أمام رجل دين قضت تعاليمه بالأخذ بيد من يبوح بجريرة ارتكبها . والمريض وصاحب المشكلة القانونية ومرتكب الذنب يودون أن تبقى أحوالهم في بئر معطلة ، لا يتسرب شيء من أنبائها إلى أحد .. ذلك أنهم لو كانوا يعرفون أنهم سيصبحون مضغة في الأفواه ، فإنهم بالقطع سوف يحجمون عن الإفضاء بأسرارهم لأحد حفاظا على كرامتهم التي عليها يحرصون ومصالحهم المادية التي عليها يسهرون . من هنا كانت مسألة الثقة في الذي استودع أسرار الناس مسألة لا تحتمل مساسا . وإنها لثقة ترعى مصالح الفرد الذي أفشى سره ويريد أن يظل مكتوما ، كما ترعى مصالح المجتمع الذي يسعى إلى نشر الطمأنينة والحفاظ على الصحة العامة بتشجيع المرضى بالذهاب إلى الأطباء لمداواة أمراضهم المعدية كي لا تنتشر بين الناس ويعم بلاؤها ، ومراجعة المحامين ليقفوا إلى جانبهم ويدافعوا عنهم معاونة على نشر العدل ومقارعة للظالم ونصرة للمظلوم ...([14]) . تعريف السر المهني : أولا ـ التعريف اللغوي : ورد في معجم التعريفات : للعلامة علي بن محمد الشريف الجرجاني . ص 102 السر : لطيفه مودعه في القلب كالروح في البدن ، وهو محل المشاهدة كما أن الروح محل المحبة ، والقلب محل المعرفة . يسر السّر : ما تفرد به الحق عن العبد كالعلم بتفصيل الحقائق في إجمال الاحدية وجمعها واشتمالها على ما هي عليه . (( وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو )) الأنعام 59 . وورد في المعجم المدرسي ص 494 : أسررت الأمر أو الحديث ،وأسررت به أسرارا : أخفيته . وأسررت الحديث إليه : أفضيت به إليه على انه سر . الآية (( فأسرها يوسف في نفسه ) (1) يوسف 77 أي أخفاها . واسّر الندامة أخفاها أو وجد مسّها في قلبه . سارّة في أذنه مسارّة وسرارا ناجاه وأعلمه بسره . تسارّ القدم : تناجوا واطلع بعضهم بعضا على سر ما . استسرّ استسرارا : خرج . والقمر استتر وخفي ليلة . السّرار . و ـ الأمر : خفي , ـ الشيء بالغ في إخفائه . وورد في معجم المصطلحات القانونية ([15]) السر SECRET شيء مخبأ وبالتعميم حماية تغطي هذا الشيء ويمكن أن تتركز بالنسبة إلى من يعرف الشيء ، على تحظير إفشائه للغير ( مثلاً التزام الحفاظ على سر المذاكرة ) أو بالنسبة إلى من لا يعرفه على منع اكتشاف السر ( مثلاً انتهاك سر المراسلة ) _ السر الإداري secret administrative التزام يشكل عقبة أمام الإدارة في الإفصاح عن أســـباب تسويغ قراراتها أو الاطلاع على بعض مستنداتها غير أن تشريعاً حديثاً خفف ذلك في كل من هاتين النقطتين بحصر ما كان للممارسة من ضرر على مصالح الرعية . _ سر الصنع أو المصنع secret de fabrication ( ou de fabrigve ) نسق صنع يقدم فائدة عملية أو تجارية يطبقه صناعي ويبقى سرياً تجاه منافسيه ومحمياً ـ طالما لم يصبح موضوع براءة ـ ضد أي نشر من جانب جهاز مستخدمي المصنع يمكن أن يرتكز على مجرد مهارة يدوية أو نسق حاذق حتى بأهمية دنيا ، ويقلص نفقات الإنتاج أو يحسن نوعية المنتجات . _ سر الدفاع الوطني secret de la defense nalionale معلومات ، أو حاجات أو مستندات أو أســاليب يجب أن تبقى مستترة لصالح الدفاع الوطني ويشكل السعي إليها أو امتلاكها أو نشرها أو إتلافها جرائم ضد أمن الدولة . _ سر التحقيق secret dl enguete et de tinstriction أسرار مهنية متنوعة تطبق على أي شـــخص في إجراء التحقيق التحضيري . _ سر المراسلات وكتب الرسائل secret des correspondences et tettres حماية تغطي الحاجات المعهود بها إلى البريد ويرتكز على التحضير على أي كان ( موظف عمومـي أو أي مأمور في إدارة البريد أو فرد عادي ) إتلافها أو فتحها أو إخفائها أو اختلاسها حتى مؤقتاً وبالتعميم إخضاعها لمعاملات أخرى ( تأخير غشي أو منهجي أو إساءة إحالتها أو توزيعها بشكل خاطئ متعمد ) . _ السر المهني : secret professionnel التزام على الأشخاص الذين علموا بوقائع سرية في ممارسة وظائفهم أو في مناسبتها بعدم البوح بها خارج الحالات التي يحددها القانون وهو التزام ملقى على عاتق الأطباء والجراحين والصيادلة والقابلات القانونيات .. الخ يعاقب القانون العقوبات على الإخلال به كذلك على أي شخص من الأشخاص الآخرين المؤتمنين في حالة ما أو مهنة أو وظائف ( مؤقتة أو دائمة ) على أسرار معهود بها إليهم ( مثلاً المحامي والكاتب بالعدل والرؤساء الدينيون ) ويعفى من التزام الإدلاء بالشهادة حول الوقائع التي يعلمون بها في هذه الظروف . وتدل كلمة السر في بعض التعابير على مكان منعزل وبالتعميم على منع الاتصال بالخارج. سريّ : صفة من اللاتينية mysticus ( عن اليونانية urotiscbc ) مخبأ متعلق بالأسرار الخفية mysteres . مستتر مخفي ، تقال في بعض الأعمال _ سرية بذاتها ( حتى متحقق منها رسميا ) ذات مضمون أو الدافع المحتفظ بسريته حتى تجاه السلطة التي تتلقاها ، مثلا يمكن أن يقال في الطلاق بالرضا المتبادل انه سري عندما ينظر إليه طلاق لسبب لا يذاع ، ولا يلزم الزوجان بكشف دافع انفصالهما للقاضي . سريّ : صفة من اللاتينية secretum شيء سري من الفعل secernere : فصل 1_ ما يجب عدم البوح به ( حتى من قبل من هم مطلعون عليه ) وبهذا المعنى لايستبعد الإفشاء للجمهور وحسب دائما أيضا اطلاع أو كشف حتى ولو كان خاصا مثلا مداولات القضاة سرية . 2_ ما يجب عدم كشف فاعله مثلا الاقتراع بالبطاقة السرية 3_ ما يمنع الاطلاع عليه ( بالنسبة إلى من هم على غير علم به قانونا ) 4_ مخفي مستتر غير ظاهر تقال في شأن الصورية بخلاف العمل الجلي أو العمل المستتر غير المباح به للغير ( العقد المضاد ) الذي يحوي الإرادة الحقيقية للفريقين . التعريف الفقهي : يقول أستاذنا الدكتور المرحوم محمود محمود مصطفى : لم يرد في القانون تعريفا جامع لسر المهنة خصوصا وان تحديد السر مسألة مرنة جداً فما يعتبر بالنسبة لشخص ما أمراً سرياً لا يعتبر كذلك لشخص آخر ، وحتى بالنسبة للشخص الواحد فقد يختلف مفهوم السرية لديه فما يعتبر سرياً في ظروف معينة ومكان معين قد لا يعتبر في ظروف وأماكن أخرى . وقد ذكر الفقهاء تعاريف كثيرة للسر فقيل انه كل ما يضر إفشاءه بسمعة مودعه أو كرامته([16]). أو هو كل ما يعرفه الأمين أثناء أو بمناسبة ممارسة مهنته وكان في إفشائه ضرر لشخص أو لعائلة إما لطبيعته أو بحكم الظروف التي تحيط به . _ ومنهم من يحاول في تعريفه للسر وجوب الرجوع في ذلك أولاً إلى العرف والى ظروف واقعة على إنفراد فقد يكون السر مشرفاً وليس مشيناً لمن يريد كتمانه لكن يترتب على البوح به أن يلحق ضرراً لشخص أو عائلة إما لطبيعته أو لطبيعة الوقائع أو الظروف التي أحاطت بالموضوع([17]) ويستوي في ذلك أن يكون الضرر مادياً أو أدبيا . ويرى الأستاذ احمد فتحي زغلول أن السر الذي أمر القانون بكتمانه وعاقب على إفشائه هو كل أمر سري في عرف الناس أو في اعتبار قائله . يلاحظ الدكتور عبد الوهاب حومد([18]) مدى الصعوبة البالغة في تحديد مفهوم واضح للسر ذلك أن السر يختلف في طبيعته ومداه من مهنة إلى أخرى فالسر الذي يطلع عليه المحامي غير السر الذي يلتزم به الطبيب .... ويخلص أن تعريف السر المهني بأنه الواقعة التي يفضي بها صاحبها إلى مهني محدد قانوناً أو التي يطلع عليها هذا المهني أثناء ممارسته مهنته مما يدخل في إطار المهنة ويريد صاحبها أن تبقى مكتومة عن الناس أو يجب أن تبقى بطبيعتها مكتومة . وينقل الدكتور حومد عن الفقهاء تعريفهم للسر المهني فيقول : يعرف الأستاذ السويسري لوغوز السر المهني بأنه حيازة حصريه لمعرفة بعض الوقائع مضافة إلى إرادة صاحب السر بأن يظل وحده الحائز عليه . والأستاذ بوزا يعرف السر بقوله (( السر كل ما ليس معروفاً بالشهرة العامة )) بشرط أن تؤخذ الشهرة العامة بمعناها الضيق ([19]). _ وبعد فإذا كنا نلحظ التوجه العام في تعريف السر هو الاتجاه إلى صاحب السر أكثر من الاتجاه إلى المهني الذي تلقى السر بحكم مهنته سواء اطلع عليها من صاحب السر مباشرة أو بصورة غير مباشرة في بعض الحالات وهذا بتقديرنا لم يرده واضع القانون فجميع التشريعات الجزائية وعلى حد علمنا لم تشترط على الإطلاق إقامة الدعوى العامة على مرتكب جرم إفشاء السر وجود ادعاء شخصي كما هو معهود في كثير من الجرائم كالزنا أو الإيذاء الذي لا يتجاوز مدة تعطيله عن العشرة أيام أو... الخ وبالتالي فإن المشرع لم يقصد على الإطلاق حماية صاحب السر وحسب بل قصد حماية المصلحة العامة ولهذا يمكن للنيابة العامة الادعاء على من ارتكب الجرم ولو لم يكن هناك مدعي شخصي وعلى ما تقدم نرى أن يشمل التعريف توازناً تاماً بين مصلحة صاحب السر وبين المصلحة الاجتماعية بوجوب الحفاظ على السر المهني من خلال المفهوم النسبي للسر المهني الذي يختلف من مهنة لأخرى كما تقدم ذكره . إذا جاز لنا وضع تعريف يوازن ويراعي ما ذكرنا فنقول : السر هو الوقائع أو المعلومات التي تكون سرية بالنسبة لصاحبها فيفضي بها إلى مهني أو تكون الوقائع أو المعلومات التي اطلع عليها المهني سرية في مفهوم مهنته . ومن هذا التعريف الذي نراه فإنه يرتكب جرم الإفشاء من يذيع سراً مهنياً قد لا يراه صاحبه سرياً إلا أن أصول وقواعد المهنة تراه كذلك وذلك للغاية التي ذكرناها من أن الحفاظ على السرية من متعلقات النظام العام ولمقتضيات المصلحة العامة . وعلى سبيل المثال لو أن امرأة عرضت نفسها على طبيب لمعالجتها وشاهد الطبيب عورة من جسدها بحكم كشف الداء وكانت هذه المرأة ممن لاتهمها أن توصف عورتها فذاع الطبيب ذلك الوصف فيكون ارتكب جرم إفشاء السر ولو كانت المرأة ممن لا يهمها ما يقال لأن أصول مهنة الطب لا تقبل ذلك إطلاقاً ويقع الطبيب تحت طائلة العقاب ولو لم يكن هناك مدعي شخصي. وبالنسبة للمحامي وإن كان المثال صعب المنال فإنه لا يعني القائل الذي أسر لمحاميه بارتكاب جناية القتل فإنه يجب أن لا نبرر للمحامي أن يفشي السر المهني لمجرد أن القاتل لا يلحقه ضرر أو أنه اعترف أثناء استجوابه أو بعد أن أذاع المحامي سر موكله لأن مهنة المحاماة تقدم مصلحة عامة للمجتمع ومن مصلحة المجتمع أن يطمئن كل مواطن إلى محاميه فيسر إليه ما يراه من أسرار مطمئناًَ إلى أنه ليس لهذا المحامي من حق إذاعة السر . وهذا رأينا . وفي هذا المقال : ينقل الدكتور حاتم بكار تعريفا من خلال تحديده لمفهوم السر وفق أنصار النظرية الشخصية فيقول بأنه (( هو ما يفضي به صاحب الشأن للغير وانه يحمل طابع السرية ولو لم يكن من شأنه إفشائه الإضرار بكرامة الشخص أو اعتباره أن العبرة هي بإرادة المودع في الإبقاء على الأمر سراً لا بالضرر المترتب على البوح به )) بينما يرى أنصار نظرية الضرر بان إفشاء السر لا يكون جريمة إلا إذا كانت الواقعة محل الإفشاء ضارة باعتباره شرف مودع السر ([20]) . أراء في حماية السر المهني : نظراً لخطورة وأهمية السر المهني ننقل عدة أراء لفقهاء ومحامين بغية الوصول إلى المقارنة ثم الحل الأمثل . ـ يقول العلامة رنيه كارو : إن المؤتمن لسر يكون له التزام المحافظة عليه لكن من جهة لا يكون خرق هذا الالتزام الشرفي قابلاً للعقاب لان المصلحة العامة لا تطلب هذا القمع ومن جهة أخرى لهذا الالتزام حد لان من يحصل على هذا السر لا يمكن إذا استجوبته العدالة أن يعفي نفسه من إعلانه دون أن يتعرض إما للعقوبات المطبقة على عدم القيام بالشهادة أو الشهادة الكاذبة إذا شوه الحقيقة ويكون الأمر مختلف فيما خص إفشاء السرية من قبل أشخاص مهنتهم الاطلاع على هذا السر بموجب هذه المهنة ... وان القانون الجزائي يتدخل هنا كما في كل مكان آخر لمصلحة النظام العام عندما يفشي شخص خاص سراً فمن جهة إفشاء شخص عادي لسر ما يمكن أن يتأذى به صاحب السر لأنه لم يبح به لمن يوثق به ولكن عندما يقوم طبيب أو محام مثلا بخيانة ضميره وبالإفشاء للسر الذي يعرفه بحكم لمهنة يتأذى العموم من هذا النقص في الثقة إذ وبسبب المخافة من عدم الكتمان سوف يخشى الجميع من مقابلة الأطباء والمحامين ويمس بالتالي بالصحة العامة وبالعدالة لذلك من المهم أن نحمي السر من كل إفشاء من قبل صاحب المهنة([21]) ويضيف العلامة غارو تعبيراً هاماً عن الأطباء وهو يصلح تماماً للمحامين حسب اعتقادنا قال : (( ... وإن سر المهنة يمتد ليس فقط لكل ما بوح له به وللأفعال التي هي سرية بذاتها والتي لم تبح للطبيب بل أيضاً على كل الأفعال والوقائع التي علمها واستنتجها وقررها وفاجأها ضمن ممارسته أو بمناسبة ممارسته لمهنة الطب وذلك عبر كشفه على حالة المريض أو على المرض ))([22]) وفي مهنة المحاماة نستطيع القول أن التزام المحامي بالسر المهني لا يمتد فقط لكل ما بوح للمحامي به من قبل الموكل أو المراجع بل يمتد إلى كل وقائع القضية التي علمها واستنتجها وقررها وكذلك التي فاجأ المحامي موكله بها فعرف أسراراً غير التي قالها الموكل له وكل ما عرفه ضمن ممارسته أو بمناسبة ممارسته لمهنة المحاماة ومن خلال متابعة الدعوى . ونرى أن الأمر يمتد لأكثر من ذلك فالمحامي الذي يطلع عرضاً وبحكم مهنته وأثناء حضوره لجلسة سرية وفي الحالات التي لا يخرج فيها جميع المحامين من قاعة المحكمة فإن ما يطلع عليه هذا المحامي من أسرار لم تدون في ضبط الجلسة تعتبر سراً لذلك المواطن أما ما دون في ضبط الجلسة فمن العيب على المحامي أن ينشرها لاسيما وأنها قد تقع تحت طائلة جريمة الذم والقدح وعلى المحامي أن يترفع عن ذلك . ـ رغم أننا لسنا بصدد شرح جريمة إفشاء السر في فرنسا وهو متروك للمراجع المتخصصة بهذا الشأن ومع ذلك ونظراً لخطورة السر المهني وتعرضه للخرق هنا وهناك نجد لزوما نقل ما قيل بهذه الشأن لجمع شتات البحث . فالعلامة غارو ومن خلال بحثه وشرحه عن جريمة إفشاء السر أكد أن مسؤولية إفشاء السر تتحقق عندما يكون السر قد أفشي عنه عن قصد وإراديا ولا تكون العلنية ضرورية فإذا كان الإفشاء نتيجة الصدفة أو نتيجة عدم الاحتراز أو الإهمال وهو ما سماه بالخطأ البسيط فلن تكون هناك ملاحقة ممكنة . كما يؤكد العلامة غارو : إن نية الإضرار أو نية الحصول على منفعة غير مشروعة لا تكون ضرورية لوجود الجريمة التي تشتمل على كل الافشاءات ويخلص إلى القول : إن إفشاء السر هو بالتأكيد جريمة قصديه لكن القصد الجنائي الذي يميز هذه الجريمة لا يكون بنية الأضرار بالضرورة ([23]). ويلاحظ هنا أنه في المسائل التأديبية فإن إفشاء السر يحقق المسؤولية المسلكية ويوجب فرض العقوبة التأديبية ولكن يجب وفق ما يراه العلامة غارو أن يتوفر لدى المحامي القصد الخاص أي أنه يعلم بأنه يفشي سراً وأن هذا الأمر معاقب عليه وفق قانون العقوبات أو قانون تنظيم مهنة المحاماة ولكن الحالة الخاصة التي قالها العلامة غارو عن الإفشاء بدون قصد وإن ذلك كان نتيجة الإهمال أو قلة الاحتراز فإننا نرى هنا أن المسؤولية التأديبية تتحقق رغم عدم توفر نية الإفشاء ولكن وطالما أن الإهمال قد تحقق بالإفشاء فيجب وفق اعتقادنا ملاحقة المحامي مسلكياً إذا تحقق الضرر عملاً بصراحة المادة 58 من قانون تنظيم مهنة المحاماة رقم 39 لعام 1981 التي قالت : ( يعتبر زلة مسلكية كل إهمال غير مبرر أو جهل فاضح من المحامي أو من ينيبه يسبب الضرر لموكله ويستلزم تضمين المحامي الأضرار اللاحقة بموكله جراء ذلك ). _ يقول الأستاذ النقيب المرحوم الدكتور فرنان بالي في مقالة بعنوان علاقة المحامي بزبائنه ([24]) : واجب الأمانة على سر المهنة :... إن الأمانة على سر المهنة بقدر ما هي واجب على المحامي هي أيضا حق له وللموكل الذي يضع بين يديه شرفه وسمعته وماله وأسرار أسرته وأعماله فمن الضروري أن يهيأ له الجو النفساني الملائم كي يتمكن من إفضاء أسراره بدون تحفظ أو ريبة الأمر الذي لا يتحقق إلا إذا اطمأن على أن ما سيبوح به إلى المحامي لن يتجاوز جدران مكتبه . والأمانة عن سر المهنة تشمل ( أولا ) المعلومات الشخصية التي يفضي بها الموكل إلى محاميه شفوية كانت أو خطية عن طريق الرسائل أو عن طريق تسليمه الوثائق فالمحامي ملزم بكتمان ما علم به وبرفض إبراز الوثائق اللاتي كلف بإبرازها . ولا يجوز لأية سلطة قضائية حجزها تحت يده أو ضبطها منه سواء كانت في حوزته الشخصية أو في مكتبه أو في أي مكان آخر جار بتصرفه .والأمانة على سر المهنة تشمل ( ثانيا ) المعلومات التي تصل للمحامي عن طريق خصم موكله . فلو صادف وعلم المحامي بمناسبة اتصاله بخصم موكله وهو أمر محظور أساسا فعلم بمناسبة اتصاله بخصم موكله بأمور تتعلق بموكله أو بقضيته فمن المجمع عليه أن المحامي في هذه الحالة مقيد أيضا بسر المهنة لا يحق له إفشاء ما علمه لا لموكله ولا لغيره ( بايان ودنو ص 392 وكريميو ص 285 وقرار مجلس نقابة lovuain تاريخ 25/10/1879 وقرار مجلس نقابة بروكسل تاريخ 26/2/1906 vermelyan رقم 1718 و 1719 ) . والأمانة على سر المهنة تشمل ( ثالثاً ) المعلومات والوقائع التي يتبادلها الزملاء محاموا الأطراف المتخاصمين في مفاوضات الصلح التي يجرونها فيما بينهم بقصد إيجاد حل ودي للخلاف فإذا فشلت المفاوضات فليس لأي منهم أن يثير في دفوعه ما اطلع عليه زميله الآخر في أثناء المفاوضات . وما زال القول للأستاذ النقيب فرنان بالي قال : وكذلك لا يجوز للمحامي الذي وصل إلى علمه من زميل له أمر يتعلق بموكله أو سمع من زميله عبارات بحق موكله لا يجوز للمحامي في هذه الحالة أن ينقل إلى موكله ما علمه أو سمعه بحقه ذلك لان النظام العام لا يسمح له كما قال مجلس نقابة بروكسل في قرار له صدر في عام 1936 أن يفشي هذه الأمور التي يفضي بها إليه زميله إلا اعتماداً منه على ضمان الكتمان الذي توجبه عليه صفته كمحام . والأمانة على سر المهنة تشمل ( رابعا وأخيرا) المعلومات التي تصل لعلم المحامي وتتعلق بالغير وذلك لان واجب الأمانة على سر المهنة لا يفرق بين المعلومات التي تتعلق بالموكلين وتلك التي تتعلق بالغير فجميعها بدون استثناء مشمولة بأحكام المادة 65 بينات ([25]) . وعلى هذا النحو قضى مجلس نقابة بروكسل بتاريخ 18ايار 1844 . ويضيف لنا الدكتور النقيب فرنان بالي ([26]) قائلا : ان مجلس نقابة بروكسل أخضع لسر المهنة المعلومات التي يطلع عليها المحامون ـ وكلاء كانوا أو لا ـ من خلال جلسات المحاكم الجزائية أو محاكم الجنايات السرية ومن خلال الشهود وفي تلك الجلسات . وقد صدر قرار عن المجلس المذكور بهذا الموضوع بتاريخ 4/7/1898 بعد نقاش دام طويلاً . ويتساءل الأستاذ النقيب فرنان بالي عن طبيعة السر المهني وهل هو مطلق لا يجوز التحلل منه ولو برضاء الموكل أو الشخص الذي أسر له به ؟ أم هو نسبي يمكن إعفاء المحامي منه . وبعبارة أخرى هل هو من متعلقات النظام العام ؟ ويجيب فيقول : فللرد على هذا السؤال ، يقضي أن نعود إلى المادة 66 من قانون البينات التي نصت : " ومع ذلك يجب على الأشخاص المذكورين في المادة السابقة أو يؤدوا الشهادة عن تلك الواقعة أو المعلومات متى طلب منهم ذلك من أسر لهم ، على ألا يخل ذلك بأحكام القوانين الخاصة بهم " . وبالرجوع إلى قانون المحاماة ، نجد سر المهنة هو واجب مقدس ، أراد المشرع تأييده باليمين التي يحلفها المحامي قبيل انتسابه إلى النقابة . وقد وردت صيغة اليمين تلك في المادة 11 من القانون على النحو التالي :"أقسم بالله أن أقوم بأعمالي بأمانة وشرف وأن أحافظ على سر المحاماة واحترام القوانين ، وألا أقصر في الاحترام الواجب للمحاكم وللسلطات العامة ". وعلى هذا الأساس انعقد الإجماع في الفقه وفي الاجتهاد القضائي على أن واجب الأمانة على سر المهنة هو من متعلقات النظام العام ، مما يستتبع معه عدم جواز إجبار المحامي على الإدلاء أمام القضاء بالمعلومات التي اطلع عليها عن طريق مهنته . وقد جاء في قرار محكمة النقض الفرنسية المؤرخ في11 أيار 1844 ( gardentat رقم 1609 ) بهذا الصدد ما يلي : حيث أن المحامي ملزم بصورة مطلقة بحفظ السرية في كل ما يطلع عليه بمقتضى مهنته . وحيث أن هذا الالتزام المطلق هو من النظام العام ولا يجوز لأحد أن يحل المحامي منه وحيث أن، المحامي حينما يدعى للشهادة لا يخضع إلا لضميره فيما أسر إليه وعليه أن يمتنع عن الإدلاء بما يرتضيه ضميره . وحيث أن المحامي "شابودي" قد صرح أمام المحكمة بأنه لايستطيع ان يجيب على الاسئلة التي وجهها إليه قاضي التحقيق الذي استشهده لانه يضطره بذلك الى إفشاء حوادث ووقائع اطلع عليها بصفته محاميا . وحيث انه لايستطيع القاضي ان يلح على المحامي للحصول على معلومات يدعى انها تدخل في نطاق سر المهنة . وحيث ان ينتج من ذلك ان اعتبار سكوت المحامي امتناعا غير مشروع عن أداء الشهادة والحكم عليه بغرامة هو تطبيق خاطىء للقانون . وحيث ان المحامي شابودي بامتناعه عن الاجابة على الاسئلة الموجههة إليه لايستحق تطبيق اية عقوبة عليه لذلك فالمحكمة تنقض . مؤرخ في 18/1/1934 ما يلي (vermelyen 1704 ) . جاء أيضا في قرار مجلس نقابة بروكسل ان مبدأ سر المهنة متعلق بالنظام العام ، وإذ كان قد شرع في مصلحة جميع الذين يلجأون إلى المحامين فانه مستقل عن الحالات الخاصة التي يطبق عليه . ويتوجب اعتبار تطبيقه ملجئاً لدرجة أن المحامي بإمكانه رفض إفشاء الوقائع التي اطلع عليها أثناء مزاولة مهنته حتى ولو حله منه موكله . فمن جهة وباعتباره واجبا فان سر المهنة رهن بإرادة من أسر به إليه وينتج من ذلك أن للمحامي أن يقدر هو وجوب الكلام أو عدمه ولو حله موكله من واجب كتمان السر . ومن المرغوب فيه بصورة عامة ، أن يكون سر المهنة مصونا ، وإذا سلمنا بان على المحامي أن يؤدي الشهادة متى أذن له موكله وان يصمت عنها متى طلب إليه ذلك ، فإننا نصل بحكم الضرورة إلى إعطاء صمت المحامي الذي يتذرع بسر المهنة معنى لا يتوفر فيه ، وعليه ينبغي على المحامي الذي حله موكله ألا يقبل بإفضاء الواقع التي اطلع عليه بمناسبة مزاولته مهنته إلا في حالات استثنائية . غير انه استثناء من مبدأ الأمانة على سر المهنة ، يحق للمحامي التحلل منه تلقائيا في حالة نشوب خلاف بينه وبين موكله ومبادرة الموكل الى ملاحقته ففي هذه الحالة يحق للمحامي الإفشاء بالمعلومات التي استودعه اياها موكله ، إذا كان الدفاع عن نفسه يبرر هذا الإفشاء الذي لولاه أضحى المحامي ضحية موكل سيء النية وقد أكدت محكمة النقض الفرنسية بهيئتها العامة هذا الاستثناء في قرارها المؤرخ في 20 نيسان 1908 أثر مطالعة رائعة للمحامي العام بودوان ويضيف الأستاذ كريميو ( ص 291 ) الذي اشار الى هذا الاستثناء ان مجرد تعارض المصالح بين المحامي وموكله لايبرر الإفشاء ، وانه إذا غدا المحامي ولاسباب خاصة أو سياسية خصما لموكله فلا يحوز له الافضاء بما سبق وأسره له موكله بالامس وخصمه اليوم . وهناك استثناء آخر لمبدأ الأمانة على سر المهنة نصت عليه المادة 65 من قانون البينات وذلك حينما يكون السر مقصودا به ارتكاب جناية أو جنحة ، فيحق للمحامي في هذه الحالة ، بل وعليه إعلام السلطات عنه والإدلاء بشهادته أمام القضاء عند الاقتضاء . يستمر واجب الحفاظ على سر المهنة إلى ما بعد إنهاء المحامي مهمته أو زوال صفته كما تقول المادة 65 من قانون البينات ، والى ما بعد وفاة الموكل أيضا على ما ذهب إليه الاجتهاد ( دالوز العملي ، الجزء العاشر ص 678 الفقرة 35 ) . _ ويتحدث الأستاذ المرحوم ثابت المدلجي في مقالة عنوانها أخلاق المحاماة ([27]) حيث قال : الواجبات الأخلاقية تجاه سر المهنة: قد يبدو أو مسألة سر المهنة بعيدة عن أن تبعث في معرض هذا الموضوع ، إذ أن إفشاء السر قد تناوله قانون العقوبات وقانون مزاولة المهنة معاً فأوقعا على مرتكبه العقوبة المسلكية والجزائية ، وقد يتخيل الناس البعيدون عن جو المهنة : مادام سر المهنة لدى المحامي هو لدى الطبيب أو الكاهن فإن كل ما يقال في المكتب يعتبر سراً ، وكل إفشاء لهذا السر يقود إلى الإخلال بالواجب المسلكي ويتعرض مرتكبه للعقوبة ، فلا تعقيد إذن مع بساطة هذا الحل ووضوحه . آ_ بيد أن المسألة ليست كذلك ، فلئن صدق هذا القول على الطبيب أو الكاهن ، فعوقبا إن هما أفشيا سراً بنص القانون ، فإنه لا يصدق على المحامي ، إذ أن إفشاء السر جزء من واجب الأصيل . إن الموكلين يفدون علينا كي ما نترافع عنهم أمام المحاكم في جلسات علنية ، وكل ما يقولونه ، قد ينقلب إلى أمر علني بعد أيام ، وفقاً لاختيارنا نحن كمحامين ، ومن هنا كان إفشاؤنا لكل ما قيل في المكتب أو بعض ما قيل مسألة محترمة بعد قبولنا القضية . ومن هنا تطرح مشكلة سر المهنة لدى المحامين كواجب مسلكي وواجب أخلاقي وتتخلق صعوباتها إلا أن معيارها الدائم هو إقناع الموكل بالإذن لنا بإفشاء ما يخدم قضيته من أسرار إقناعاً حكمياً ، والانتباه إلى طهارة وجداننا إزاء كل إفشاء . ب_ وتتحقق هذه الصعوبات في العمل عادة من اصطدام قاعدة سر المهنة بواجبات مسلكية أخرى ، تضع المحامي في مأزق يحار أحياناً في حلها ويتعين عليه مع ذلك أن يحلها باجتهاده ورأيه دون الاستعانة بالآخرين والمعيار هو ضميره ، مهتدياً بقواعد وتجارب أسلافه . وينقل إلينا المرحوم الأستاذ ثابت المدلجي مثالاً فيقول : مرت بي في العمل حادثة أخوين ، اتهم إحداهما بالقتل وأقر به . كيما يفتدي أخاه القاتل الحقيقي ، وقد أدلى إليّ بهذا السر وأوضح لي السبب في اعترافه ، وراح يحاول تكديس الأدلة على نفسه خلال سير التحقيق . لست أستطيع بالطبع أن أفشي هذا السر إلى قاضي التحقيق ولا إلى محكمة الجنايات من بعده فذلك واجب مسلكي ، فضلاً عن أنني لو فعلت لتعرضت إلى أن يكذبني موكلي نفسه ، ولست أستطيع أن أبني دفاعي في إنقاذ هذا البريء على قناعة شخصية أؤكدها للقضاء دون بيان سبب منطقي لها ولا يحق لي في الوقت ذاته أن أرافع عن المتهم على أساس أنه قاتل ملتمساً أسباب التخفيف فقط مع علمي أنه بريء . ههنا تصطدم الواجبات المسلكية بعضها بعضاً ، وقد ينغلق على المحامي سبيل التصرف السليم . وهناك حلان كما سبق لنا القول : الحل الذي يراه الأستاذ غارسون ، المحامي الفرنسي الشهير ، فهو يرى أن خير طريق للتخلص من هذا المأزق ، هو التخلي عن القضية ، حتى يضطر المتهم إلى توكيل محام آخر ؟، وسيعلم المتهم بموقف المحامي هذا أنه يتعين عليه كتمان هذا السر عن وكيله الجديد ، فيترافع عن الوكيل الجديد براحة ضمير ، ويعتبر الأستاذ غارسون أن مصلحة المتهم وحدها لا تكفي مقياساً لمعرفة ما يجب كشفه أو إخفاؤه في ممارسة المهنة . أما الرأي الأمريكي السائد ، الذي بسطنا في مطلع الحديث على لسان الأستاذ فولر فيقول بالثبات في الدفاع ، واستعمال كل الحجج لهدم هذه الأدلة التي كدسها الموكل على نفسه من حيث القانون ومن حيث الوقائع . وإنني شخصياً أؤثر ، وقد آثرت ، هذا الحل الأخير إذ لم استطع أن أخيًّب أمل إنسان وضع ثقته بي ، وبنيت مرافعتي على أساس براءته ، وحاولت بكل ما استطيع أن أهدم اعترافاته رغم أنفه هو حتى توصلت إلى إقناع المحكمة بذلك ، ولفظت المحكمة قرار البراءة ،وعادت النيابة العامة وجهاز التحقيق للبحث عن القاتل الحقيقي حتى وصلوا إليه . وقد تدق المسألة أحياناً أكثر من هذا تجاه الأخلاق ، عندما يكون الكتمان غير محدد لقضية الموكل ، فوق أنه قد يضر بمصالح أشخاص ثالثين لا دخل لهم في القضية ، وفي هذه الحالة تنشأ في نفس المحامي أزمة ضمير ويتسبب اختلافه مع موكله حول إفشاء السر أو كتمانه في مواقف محزنة ، على أن إذن موكله بالإفشاء لا محيد عنه ، وعلى المحامي أن يكون في منتهى الحكمة حتى يتوصل إلى إقناعه بضرورة ذلك ، فإن لم يتوصل ، فعليه أن يطلب الأذن من مجلس النقابة بإفشاء السر بعد أن يبين وجهة نظره في الموضوع وبعد هذا الإفشاء عن المساس بمصلحة موكله . د_ السر ملك الموكل فقط ، وهذا مقياس من مقاييس السر ، فإذا حدثت مفاوضات مصالحة بين الطرفين بحضور محام وبدرت أمور مختلفة تعتبر من الأسرار على لسان الخصم نفسه ، فهل يعتبر من واجب المحامي حفظ سر الخصم أيضاً ، ما دام قد تلقاه في مكتبه ؟. هذه بالطبع قضية يترك فيها التقدير للمحامي ، غير أن المتعارف عليه أن السر ، ما دام قد تلقاه المحامي في مكتبه ، ولو كان سر الخصم ، يجب كتمانه من حيث المبدأ ، غير أن كتمانه لا يؤخذ بنفس الشدة والضيق اللذين يؤخذ بهما الكتمان سر الموكل . ’سجل أن الخصوم قد يلجأون أحياناً إلى وسائل غير أخلاقية مع المحامي فيحضرون قبل معرفة المحامي إياهم في المحكمة ، تحت أسماء مستعارة إلى المكتب ويعرضون على المحامي مشكلة تشابه المشكلة التي سيتوكل عليها، ويطلبون إليه رأياً في الموضوع ، ويفشون إليه أسراراً ، كيما يعتذروا تجاههم بسر المهنة ويمنعون من الاستمرار في المرافعة ضدهم . يجب أن يكون المحامي حذراً تجاه هذا الشرك ، حتى إذا ما آمن أن هنا من ينصب له شركاً قطع الحديث فوراً ، أما إذا كان قد انزلق فجمع سريّن ، أو قال برأي قد يضر بموكله ، فيتعين عليه احتراماً لذلك أن يتخلى عن القضية كلها . هـ_ وقد تكون الأسرار التي ائتمن عليها المحامي وثائق مكتوبة ، ففي مثل هذه الحال لا يجوز أن يفشيها مطلقاً إذا مست أي مساس بمصلحة موكله ، بل إن إفشاءها يعرضه للعقوبة المسلكية . ’عرضت حالات طلب فيها القضاء من المحامي تقديم وثائق طعن بتزويرها أو لحاجة أخرى من حاجات التحقيق الجزائي ، وبعد أن اختلف الاجتهاد على إمكان احتفاظ المحامي بها كسر من أسرار المهنة عاد فاستقر على إلزامه بتقديمها ما لم يكن قد أعادها إلى موكله . فإذا ما ألزم بتقديمها وأبى ، أو إذا ما أتهم المحامي بجرم ما ، وأرادت العدالة تفتيش مكتبه للتحري عن أدلة الجريمة ، فما هي الوسائل التي تصون أسرار الناس الذين أودعوا المحامي أسرارهم وتؤمن في الوقت نفسه حسن سير العدالة ؟. و_ إن السماح بتفتيش مكتب المحامي ، والسماح بأن يطلع ممثل النيابة أو قاضي التحقيق على كل ما لديه من أضابير يؤدي إلى انتهاك أسرار الناس وإلى إطلاع القاضي على أمور لا يحق له الإطلاع عليها لأنها غير ذات علاقة بالجريمة التي يحقق فيها كما أن منع العدالة من التفتيش قد يؤدي إلى طمس معالم الجريمة . وقد حمل التشريع هذه الصعوبة ، بأن أوجب حضور النقيب عملية التفتيش ، لأن النقيب مقيد هو الآخر بسر المهنة ويمكنه أن يطلع القاضي على ما يتعلق بموضوع التحقيق فقط ، ويعارضه في الاطلاع على باقي الأمور ، وليس من حل عملي سوى هذا الحل حتى يومنا هذا . ز_ يرتبط بهذا الموضوع الحالات التي يدعى فيها المحامي إلى الشهادة في أمور تمت في مكتبه واتخذت طابع السرية . ويظن كثير من الموكلين ، بل ومن الزملاء أيضاً . أن سر المهنة إنما هو التزام تعاقدي بين المحامي والموكل يشبه التزام الوديعة ، غير أن هذا الاعتقاد خاطئ لأن إحاطة سر المهنة بالصيانة ناجم عن أن مهنة المحاماة بحد ذاتها من المهن الأخلاقية التي تؤمن صالحاً اجتماعياً ، وقد استقر الاجتهاد الفرنسي على هذا الرأي ، وقال بأن على المحامي ألا يتقدم للشهادة حتى لو كانت في مصلحة موكله ، والوكيل لا يصح أن ينقلب شاهداً ، وإفساح المجال في هذا الباب يؤدي أحياناً إلى إساءة الاستعمال ، وإلى نزع الثقة من المهنة كلها . على أن هناك حالات لا مناص من الإدلاء بالشهادة فيها ، إذ لا يجوز أن تبقى العدالة بمعزل تام عن معلومات المحامي بصدد القضية ، ويترك لتقديره هو أن يقف عند الحد الذي يمس سر المهنة ، ومن هنا يتبين واجبه الأخلاقي في حدود الشهادة في نطاق سر المهنة . ح_ النقطة الأخيرة حيال الخلق القويم في سر المهنة هي حالة ما إذا كشف المحامي عن طريق هذا السر عن جريمة عوقب عليها بريء وأفلت الفاعل الحقيقي ، أو عن جريمة سترتكب ولكنها لم تتحقق بعد ، وبمقدوره منعها إذا أنذر الضحية ؟ في هذا الحال ، تحدث في نفس المحامي أزمة وجدان عنيفة فلا هو بمستطيع أن يبوح بما علم ، ولا يصح أن يبقى غير مبال بما حدث أو سيحدث : اختلفت الآراء حول هذه المسألة ، بيد أن الحل الأمثل في اعتقاد الأستاذ المدلجي بالقياس على حالة تفتيش مكتب المحامي بحضور النقيب ، هو أن ينهي المحامي إلى النقيب بما علم ، والنقيب هو الآخر ملزم بسر المهنة فلا خوف من فشو السر ، ويقوم النقيب بدوره بتحذير ضحية الجريمة المرتقبة ، أو بلفت نظر العدالة إلى الجريمة التي أدين فيها بريء دون أن يعلن مصدر معلوماته هذه . والمسألة في كل الأحوال ، تبقى مسألة وجدان وأخلاق . _ يرى الأستاذ الدكتور لوقا لوقا أن أية محاولة للنيل من حق المحامي في الحفاظ على سر المهنة تشكل انتهاكاً لسيادة القانون وافتئاتاً عليه مثلما تنطوي على تراجع للنظام الديمقراطي في أي مجتمع يلامس شفاف الحضارة الإنسانية ([28]). وقد قال: .. ويجدر بالمحامي في هذا السياق أن يدرك تماما بأنه مؤتمن على أسرار الناس فعليه أن يحافظ على السرية والكتمان بحذر شديد ولا يبوح بها ويبقيها ضمن جدران مكتبه فهو المكان المهيأ لحفظ الأسرار ، ولذلك اعتبر مكتب المحامي حرماً مصانا يتمتع بالحصانة التامة بنظر القانون ويمتنع على أي جهة الاطلاع على ملفات القضايا الموكلة إليه بدون موافقته . لئن أجازت بعض القوانين ذلك في حالات خاصة سواء بعد إبلاغ مجلس نقابة المحامين أو مجلس الفرع المعني ، أو عدم إبلاغهما ، بالإجراء المتخذ أو المطلوب اتخاذه ، فان ذلك يعتبر ماساً باستقلال المحاماة وتجاوزاً على تقاليدها وأعرافها المنطلقة أساسا من كونها رسالة ذات غايات إنسانية نبيلة تصون أسرار الناس وتحمي حقوقهم التي تتعلق غالبا بالنفس والمال والحرية والكرامة . سر المهنة كرسته قوانينها المتعاقبة بالقسم على ممارستها بأمانة وشرف والمحافظة على سر المحاماة .. وهذا السر هو من حقوق المواطن الأساسية ومن أولى واجبات المحامي التي لا يمكنه التحلل منها لأي سبب وتحت أي ظرف كان فهو ضروري لسيادة القانون وقيام القضاء بدوره على أكمل وجه ، وقد أسبغت عليه حماية خاصة بموجب المادتين السادسة والثامنة من الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان والاجتهادات الدائمة للمحكمة الأوربية في ستراسبورغ . إن أية محاولة للنيل من حق المحامي في الحفاظ على سر المهنة تشكل انتهاكا لسيادة القانون وافتئاتاً عليه مثلما تنطوي على تراجع للنظام الديمقراطي في أي مجتمع يلامس شغاف الحضارة الإنسانية . ـ في مقالة بعنوان المحامي مقتبسة عن داللوز باب المحامي الجزء الثاني الصحيفة 33 وما بعدها ترجمة الأستاذ جورج أنطاكي ([29]) ورد في البند 148 ـ ثالثا كتمان السر ما يلي : 148 ـ ثالثا كتمان السر : . 149 ـ إلا انه يجوز للمحامين أن يكونوا شهوداً في دعاوى موكليهم ولكنهم غير ملزمين بالإيضاح إلا بخصوص ما علموه خارج عملهم المهني . ولضميرهم وحده حق البت فيما يتعلق بالتفريق بين الوقائع السرية وغير السرية ( محكمة التمييز الغرفة الجنائية 22/1/1828 ر 305 . محكمة روان 7/3/1835 ر357 و24/5/1862 مجموعة دالوز 1862 قسم 1 ص 545 ) ويمكن لمحكمة الجنايات أن تأمر المحامي الذي حضر كشاهد والذي يصرح بعدم إمكانه أداء شهادته بأن يعطي إفادته طالما أنها مقتصرة على الوقائع التي أحاطت علمه عن طريق غير ممارسة المهنة ( محكمة التمييز الغرفة المدنية 14/9/1827 ر307 قابل محكمة روان 5/8/1861 ر306 ). 150 ـ حتى أنه لا يجوز للموكل أن يحرر المحامي من السر ( محكمة التمييز الغرفة المدنية 11ـ85ـ148 ر308). 151 ـ إن الاجتهاد يشمل المحامي المشاور بقاعدة سر المهنة ( محكمة روان 17/12/1858 مجموعة دالوز عام 1859 قسم 2 ص 163 . محكمة التمييز الغرفة الجنائية 24/5/1862 مجموعة دالوز عام 1862 قسم 1 ص545 ) ويقصد بالمحامي المشاور الرجل القانوني الذي يعطي إرشادات إذ أنه يظهر من تنظيم نقابة المحامين حالياً أنه يعد لزوم للتفريق بين المحامين المشاورين والمحامين المرافعين ( مولو ج 2 ص 169 ) وفي الحقيقة أن المادة 378 من قانون الجزاء تشمل جميع الأشـخاص الذين يؤمنون على أسرار بسبب مهنتهم ( شوفر وفوستان هيلي "نظرية الحقوق الجزائية" ج5 ص7 ) ( راجع باب إفشاء السر ) . 152 ـ إن واجب كتمان السر مفروض على المحامي ليس عندما يكون شاهداً أمام المحكمة فحسب بل أيضاً في جميع الظروف الأخرى . مثال ذلك : أن المحامي الذي يقوم بوظيفة الحكم لا يمكنه إعطاء شهادة يذكر فيها الكلمات التي لفظت أمامه لتبرز في قضية حيث أعيدت بعض مصاعب التحكيم على بساط البحث ( مولوج 2 ص 366قرار مؤرخ في 16/7/1860 )

الـقـسـم :
الأستاذ المحامي أسامة أبو الفضل


 
دخول
اسم الدخول

كلمة المرور

الكود الأمني: الكود الأمني
اكتب الكود الأمني

لم تسجل بعد؟ تستطيع التسجيل. بعد التسجيل يمكنك تغيير شكل الموقع, والتحكم في التعليقات وإرسال تعليقات بإسمك.
روابط ذات صلة
· زيادة حول الأستاذ المحامي أسامة أبو الفضل
· الأخبار بواسطة swaidacity


أكثر مقال قراءة عن الأستاذ المحامي أسامة أبو الفضل:
تطوير مهنة المحاماة

تقييم المقال
المعدل: 4
تصويتات: 2


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

المواضيع المرتبطة

الأستاذ المحامي أسامة أبو الفضل

"دخول الاعضاء" | دخول/تسجيل عضو | 0 تعليقات
التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤولون عن محتواها.

التعليق غير مسموح للضيوف, الرجاء التسجيل

جميع التعليقات والآراء والمقالات تعبر عن رأي اصحابها فقط ولا تعبر عن رأي أو سياسة الموقع

Copyright © SweidaCity 2004 Hosting Server
سيرفر سويداسيتي للإستضافة وتطوير المواقع 2004
موبايل:
242022 933 963 00

جميع الحقوق محفوظة لسويداسيتي SweidaCity © 2004
انشاء الصفحة: 0.21 ثانية